الميراث الوطني كعنصر لصناعة المحتوى السياسي

0
361


https://www.raialyoum.com/

Jul 06, 2024

بشير عمري

أكدنا فيما سبق من مقالاتنا أن أي نقاش وحوار سياسي وطني يقتضي بالضرورة وجود محتوى للسياسة كأساس للتنافس في الرؤى والبرامج والتوجهات، والمحتوى هذا إنما ترصده العقول السياسية من واقع الحاجة الموضوعية والتاريخية المجتمعية له، وليس توجيها مسبقا أو اصطناعا من أية جهة أو قوى كانت، لأن الاختلاق العمدي والقسري للمحتوى ليس سوى اقتيادا للإرادة السياسية ولا يعبر بالتالي تعبيرا حقيقيا عما يموج في الساحة، وجل التجارب العربية التي هي اليوم واقعة في أتون ما تُسمى بديمقراطية الواجهة، إنما سببها الحقيقي ليس سوى هذا الاقتياد عبر فرض محتوى للعملية السياسية من الجهات المتسلطة، فما الذي أودى بالتجربة الجزائرية إلى هكذا مستنقع؟

قبل ذلك نود الإشارة إلى أن صناعة المحتوى تنتج أساسا من أسئلة عميقة حول أزمات الامة السياسية، تلك الأسئلة التي يتغافل عن الإجابة عنها العقل السياسي الوطني لأسباب أو لأخرى إلا أنها تظل كاملة مشتعلة في الرماد وأيه هبة لرياح التغيير والرغبات والحاجات الاجتماعية توقظها.

فبذلك نخلص إلى أن المحتوى السياسي يرتبط بميراث الأمة السياسي، باعتبار أن السياسي في بعدها العملي شأن تراكمي تتصل حلاقته موضوعيا وزمنيا بين مرحلة وأخرى، فصعود اليمين المتطرف في فرنسا مثلا خلق اليوم محتوى للنقاش السياسي بفرنسا هو قديم كمحتوى لكنه جديد من حيث الحجم، جعل البعض يتوقع بل ويدعو حتى، إلى وضع حد لعمر الجمهورية الخامسة.

في الجزائر تم نقض التجربة التعددية الأولى عبر إيقاف ما يعرف بالمسارات الانتخابية، الديمقراطية والسياسية التي أسس لها دستور التحول سنة 1989 في أعقاب ما عُرفت بأحداث أكتوبر 1988 الشهيرة، وفسرت قوى النقض والرفض قرارها بقصر الوعي التعددي والسياسي للشعب، عبر عنه في سلوكه الانتخابي التشريعي التعددي الأول الذي منح فيه غالبية صوته للاسلامويين، ومن ثم تم قمع النقاش الساخن الذي كان حاصلا على صُعد الفكر والسياسة مشكلا محتوى للتعددية من جهة وللعملية السياسية برمتها من جانب آخر، وتم تبني نهجا وخطابا سياسيين تبريريين لعمية النقض متوقفين عند اللحظة السياسية الأولى، يحولان دون أن ينمو الفكر والعمل السياسي الوطني مهما تتابعت السنون وتلاحقت الأجيال.

بمعنى هنا أن التجربة التعددية الأولى على كامل علاتها وبكل زخمها في التناوش ومستوياتها في النقاش الفكري والسياسي، لم تعطى الفرصة للتأمل من قبل العقل السياسي الوطني، وهكذا سلوك لا يعمل سوى على خلق هوَّات وفجوات في مسار العمل السياسي يظل فراغها قاتلا في سبيل ارتقاء الأمة السياسي وبالتالي التنموي.

لذا كنت قد دعوت فيما سبق من اسهاماتي، إلى أن يعاد مثلا مساءلة المنتج الفكري والاعلامي والسياسي لفترة التعددية الأولى، باعتباره محتوى للعملية السياسية التي جاءت، كما أسلفنا، كنتيجة لانتقال عسير من الفترة الأحادية التي كانت تجسيدا لمشروع دولة الاستقلال، إلى التعددية التي اقتضتها الظروف الداخلية والخارجية معا، حيث كان قد كتب صحفيون ومفكرون وخطب سياسيون من كل الاتجاهات في موضوع “الانتقال الديمقراطي بالجزائر” كشرط لتحقيق عهد وطني جدي وجديد.

والدعوة لمعاودة قراءة الإرث السياسي التعددي الأول، لا تعني بالضرورة السعي إلى معادة انتاجه أو اتخاذه كمحتوى جديد للعملية السياسية اليوم، فهذا لا يتصل بمنطق ولا بعقلانية في شيء، حتى وإن ظلت، كما أشرنا السياسة في الجزائر بالنظر إلى افتقارها بل افتقادها تماما للمحتوى متوقفة عند لحظة النقض والايقاف لتجربتها الأولى، إنما ما عنيته، هو الدعوة لمعاودة القراءة لهذا التراث، هو تبين طبيعة ما كان يسعى إليه العقل السياسي الوطني في فتوته وهو بالكاد يتقحم حدائق الحرية والتعددية، ومحاولة الالمام بما عجز أن صناعته وانتاجه ليحقق ما كان محور لحظته ومحتوى السياسة لدية وهي “الانتقال الديمقراطي”.

وهنا تقتضي حقا الإشارة إلى أنه بحكم أننا كنا شبابا في تلك الفترة التعددية الأولى للجزائر، خانتنا إبانها القدرة المعرفية على أن نرصد أهم المثالب السياسية لكل التيارات في تدافعاتها وصراعتها من أجل امتلاك القوة وما ينجم يمكن أن ينجم عنها كاسب سياسية، ولم ندرك مثلا إلا لاحقا، من أن الجزائريين من التعدديين “الجدد” كانوا قد جاءوا على رأس التجربة التعددية الأولى بأسئلة قديمة للسياسة في حين أن أجوبتهم كانت ذات محتوى جديد، أي أن الفراغ كان فيما بين السؤال التأسيسي والمشروع المقترح !

ففي حصة “لقاء الصحافة” التي كانت تبثها القناة الرسمية الوحيدة آن ذاك، والتي كان ينشطها وقتها الصحفي القدير مراد شبين ويستضيف من خلالها كل أسبوع زعيم أو رئيس حزب سياسي، كان جل حيزها الزمني ينقضي في نقاش نقدي ساخن لفترة تأسيس سلطة الاستقلال باعتبارها جاءت بطرق غير قانونية وهي ما تعرف في أدبيات الخطاب التاريخي والسياسي بالجزائر “أزمة الشرعية” وبالتالي كان النقاش ينصب حول الماضي كتفسير للواقع المأزوم، وحين كان الصحفيون يسألون الضيوف من زعماء وقادة الأحزاب عن الحلول، لا يلبثون أن ينفكوا عن الأسئلة النقدية لذلك الماضي، ويشرعون في طرح أمور خيالية غير ذات صلة لا بأصل الأزمة التاريخية التي كانوا عنها يتحدثون، ولا عن والواقع الجزائري.

 فجل النماذج والمشاريع الحزبية التي كانت تعرض في السوق السياسية في الفترة الممتدة من 1989 إلى 1992 كانت منفكة كل الانفكاك عن أصول الازمة الجزائرية وما كانت تقتضيه من حلول، رغم استحضار هذه الأصول كأدوات نقدية لإدانة اللحظة الراهنة وإدانة السلطة والمنظومة القائمتين ليس إلا.

إذن كخلاصة لما سلف بالذكر، يبدو أن التشريح السياسي في أفاقه التاريخية والفكرية بالجزائر، يحتاج إلى مستوى عال من الجدية، ونخبة مقتدرة محملة برصيد وازن من المعرفة والعلم، وبأدوات التحليل والتفكير قادرة على أن تعيد استنطاق موروثها التراكمي من التجارب النضالية والسياسية التي كانت وراءها أجيال متعاقبة عبر كل جيل منها حال البلج فيه وحاله في البلد، استنطاق إذا ما ما تم بالموضوعية المثلى فإنه سيفرز ولا شك فكرا وطنيا جديدا، ستظل الاعناق مشرئبة دوما إليه.

كاتب سياسي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici