يومية الجزائر
Édition du
30 March 2020

دساتير رجال السلطة و دستور الدولة و الأمة

Redouane Boudjema


أعلن الرئيس المعين عبد المجيد تبون اليوم عن تعيين لجنة خبراء الملكفة بإعداد الدستور، و بعيدا عن الحديث عن تركيبة اللجنة و علاقة بعض أعضائها بشبكات الولاء و بعهد بوتفليقة و بطبيعة المنظومة، فإن البيان الرسمي أكد أن اللجنة مكلفة يتقديم مسودة الدستور في أجل أقصاه ثلاثة (03) أشهر ابتداء من تاريخ تنصيب هذه اللجنة”. و عقب ذلك “سيكون مشروع مراجعة الدستور، بعد تسليمه، محل مشاورات واسعة لدى الفاعلين في الحياة السياسية والمجتمع المدني قبل إحالته، وفقا للإجراءات الدستورية سارية المفعول، إلى البرلمان للمصادقة”، و بعد ذلك “سيطرح النص الذي يصادق عليه البرلمان لاستفتاء شعبي”..
شعار حوار السلطة :”شاورها و خالفها”
وهو ما يؤكد أن السلطة بدعوتها للحوار تريد إعادة انتاج ما سبق و أن قامت به لجنة كريم يونس، برواية المنظومة التقليدية تحت شعار “شاورها و خالفها”، حيث لم تنتظر السلطة سابقا حتى انتهاء الحوار الشكلي للجنة يونس ليعلن قائد الأركان الراحل عن جدول أعمال الحوار و حتى عن تاريخ استدعاء الهيئة الناخبة، وهو ما سيتم تكراره هذه المرة بدستور عهد عبد المجيد تبون الذي يكون استمرارية لكل دساتير رجال السلطة من أحمد بن بلة إلى عبد العزيز بوتفليقة.
و يأتي بيان الرئاسة اليوم ليؤكد حتى على مضمون التعديل وما يجب أن يشمله، من تقليص لبعض صلاحيات الرئيس، و توسيع جزء من صلاحيات البرلمان، أي العودة تقريبا لما قبل بوتفليقة، رغم أن التاريخ يؤكد أن ما قبل بوتفليقة هو الذي جاء بعهد بوتفليقة، و لذلك لا يمكن انتظار الكثير من الأشياء.
بيان اليوم جاء بعد 72ساعة من أول اجتماع لمجلس الوزراء، و الذي حدد الخطوط الأولى لرزنامة السلطة لهذه السنة من أجل ضمان تجديد منظومة الحكم لنفسها، حيث قال تبون : “يستلزم بناء الجزائر التي يطمح إليها المواطنون والمواطنات وإعادة النظر في منظومة الحكم من خلال إجراء تعديل عميق على الدستور، الذي يعتبر حجر الزاوية لبناء الجمهورية الجديدة، وعلى بعض النصوص القانونية الهامة مثل القانون العضوي المتعلق بالانتخابات”، وهو كلام يلخص خطاب بناء الجمهورية الجديدة الذي بدأه قائد الأركان الراحل وتبناه كخطاب على الأقل الرئيس تبون، وهو الأمر الذي قام به كل من سبقه إلى قصر المرادية من زروال إلى بوتفليقة، فكلاهما عملا على صياغة دستور وعلى الذهاب إلى انتخابات تشريعية ومحلية لبناء أغلبية برلمانية تمكنهما من تلميع الواجهة السياسية للاستمرار في ممارسة السلطة.
الاستفتاء على الدستور بحثا عن الشرعية المفقودة
فمن المتوقع أن يعرض عبد المجيد تبون مشروع دستوره بشكل يوحي بأنه ملخص لمشاورات وحوار مع الطبقة السياسية ومع جزء ممن ينسبهم الإعلام إلى الحراك، حتى يعطي الانطباع بأن الدستور هو نتاج توافق، وقد بدأت بعض مؤشرات هذا الاتجاه، خاصة وأن حفل تنصيبه حضرته وجوه سياسية لها علاقة بكل شبكات وعصب منظومة الحكم.
كما أنه من المحتمل أن يُعرض هذا المشروع الدستوري على الاستفتاء الشعبي في نهاية الربيع القادم، إن سارت الأمور كما يخطط لها، حيث سيتم استخدام هذا الاستفتاء لبناء الشرعية لشخص الرئيس الذي فرض في القصر بعد اقتراع قاطعته غالبية الشعب الجزائري، تماما مثلما استخدم عبد العزيز بوتفليقة في 16 سبتمبر 1999 الاستفتاء حول “الوئام المدني” في الدعاية لشخصه بعد أن تم فرضه في الرئاسة من قبل العسكر في ابريل من السنة ذاتها بعد انسحاب كل منافسيه الستة الذين اتهموا السلطة بتزوير شامل للانتخابات عشية إجرائها.
وتشير العديد من المعطيات إلى أن السلطة ستحاول إغراق النقاش حول الدستور في المسائل التقنية حتى لا تطرح إشكالية طبيعة منظومة الحكم، والعلاقة بين مختلف السلطات، وحقيقة صنع القرار من خارج المؤسسات، ولذلك بدأ الحديث عن تقليص صلاحيات الرئيس دون طرح لإشكالية كيف يعين الرئيس؟ ومسألة إعطاء صلاحيات أخرى لغرفتي البرلمان دون الحديث عن آليات الرقابة البرلمانية على كل الأجهزة التنفيذية دون استثناء؟ وغيرها من المسائل، كما أنه من المتوقع جدا أن يستخدم هذا النقاش لتكسير الحراك بين مساند ومتحفظ ورافض للتعديلات الدستورية كمرحلة أولى، وعلى ضوء ذلك ستسير السلطة نحو الدفع بجزء من الوجوه التي صنعها الإعلام والمحسوبة على الحراك لتأسيس حركات سياسية لتضمن مشاركتها في الانتخابات البرلمانية المسبقة، التي قد تنظم في بداية الصيف أو الخريف القادم على أقصى تقدير. وسيتم كل هذا تحت ضغط الوضع في ليبيا والذي من المحتمل أن تستخدمه السلطة للضغط على كل الأطراف السياسية والرأي العام في استراتيجية تخويف للقبول بالأمر الواقع.
والهدف من كل هذا هو إبقاء الممارسة السياسية بنفس آليات وقواعد التعيين وسطوة الشرطة السياسية على المجال العام من خلال توجيه الإعلام واختراق الأحزاب والجمعيات، مع تجديد للواجهات المدنية والسياسية للسلطة لإعطاء انطباع بوجود تغيير، وكل هذا استمرارية لإعادة إنتاج منظومة حولت التعددية الحزبية إلى عددية حزبية، والتعددية الإعلامية إلى عددية إعلامية، و إيجاد دستور يكون التعويم و الفضفضة أهم ميزاته، ليتمكن أصحاب القرار من مواصلة ممارسة السلطة خارج إطار المؤسسات دون حسيب و لا رقيب، وهو أهم سبب لثورة الشعب الذي طالب ببناء جمهورية تقطع مع منطق الملكية و العسكرة بشعارات ‘جمهورية ماشي مملكة و جمهورية ماشي كازيرنة”.
الجزائر في 8 جانفي 2020
تحرير و تصوير رضوان بوجمعة


Nombre de lectures : 3875
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi