بن خدة ومدلول “المؤقت” السياسي بالجزائر

0
841

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

تتداعى ذكريات الرحيل للرعيل السياسي الأول في الجزائر وتتتابع، ذلك الجيل التأسيسي الذي وضع قواعد سؤال الكينونة في الضمير الوطني بالجزائر إلى اليوم، كينونة مستشكلة ومستثقلة بعلامات التخالف والاختلاف في مسار البحث عن أساس توفيقي يعيد للأمة وحدتها العميقة ولحمتها العتيدة بعد أن تصحَح طروحات الماضي وتُتجاوز مغالطات الحاضر، وترسم آفق المستقبل المشرق.

فبعد ذكرى رحيل عبد الحميد مهري، ها هي ذي ذكرى انطفاء شمعة ضاوية في تاريخ السياسة تحل مجددا، لتوقظ في هذا الضمير الوطني قلق سؤاله الوجيع حول محاصيل سنين من محاولات فهم، وفي وقت نفسه، ردم حقيقة ما حدث في صائفة الاستقلال والمستمرة بحرها وحربها رغم اختلاف المناخات وتداول الطقوس في الطبيعة وفي العقول! الأمر يتعلق بثاني رئيس حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية التي كانت أول وآخر جهاز للدولة مثل الشرعية السياسة والتاريخية في الوقت ذاته.

الملفت في جل الكتابات التي تتناول ذكريات الماضي الوطني داخل طاحونة الحاضر، أنها تنزاح وتنزع أكثر لعاطفة الوصف لشخوص وشخصيات الحركة الوطنية دون الولوج في باحة جدل الوجود الوطني حيث يصطخب بأسئلة الضمير والمصير الوطنيين، كما أشرنا في غير ما مناسبة، نظرا لتلازم وزامل السياسة بالتاريخ في الجزائر وتفاعلهما المستمر باستمرار عناصر قلق لحظة التأسيس الأولى.

فالزعيم الراحل بن يوسف بن خدة، رحل مخلفا من ورائه موقفا هو بمثابة إرث لهذا الضمير يصعب اقتسامه مثلما يصعب التعتيم عليه، لكونه تجسيد لمعنى الوفاء للحق والتشبث بشرعية الأشياء لأن الاخلال بالشرعيات هو الاخلال بقانون الطبيعة، طبيعة الأشياء وهو ما يعرض للانهيارات القاتلة والنهايات القاتمة!

فالمؤقت الذي احتملته حكومة هذا الزعيم في الدال لم يكن كذلك في المدلول، وهذا بعد الذي اتضح مما صاحب مسيرة الدولة بعد صائفة (1962) ساخنة تجاوزت سخونتها وحرها لجميع المواسم السياسية في فصول السنة الأربعة حتى بات “المؤقت” بوصفه المحتوى والمعنى العملي للقلق الوجودي للدولة جزء من السمات الشخصية لهاته الدولة وهذا بسبب عدم القدرة على ملء الفراغات المهولة التي حدثت بحدوث انتكاسة الشرعية الثورية وسقوط السياسة بالاجتياح العنيف.

لقد طغى المؤقت في المشهد السياسي الجزائري واستمر لسبب بسيط هو كونه منطلق الاشكال العالق في الجزائر وهو بذلك يتجاوز البعد الزمني (الوقتي) ويتعلق بالبعد التاريخي العملي الذي يقتضي الحلحلة الإجرائية المتجاوزة بل المتحررة من القيد الزمني.

فالمؤقت ليس الوقتي، المؤقت مدلول لمحول تاريخي عملي، فيه مكنون من الأشياء المؤثرة في مسير ومصير الأحداث، أما الوقتي فلا يزيد على أن يكون محدد زمني يموت وينجرف من مجروفات نهر الزمن المتدفق، من هنا كان بن يوسف بن خدة مؤقتا خالدا في الذاكرة الوطنية لأن “مؤقته” هو رزمة من عناصر الأزمة الوطنية المستمرة التي ينبغي تفتيشها بموضوعية وحيادية وخاصة بتحرر من الضمير.

بيد أن المشكل السياسة في الجزائر ولفرط تعقد عناصره وتشبك أشياء التاريخ فيه، أفرز لغة عادة ما تعمل على حجب القلق الوطني المستمر دون أن تقضي عليه، وهذا أخطر ما يواجهه العقل الوطني وهو يسعى إلى محاولة فهم المشهد واستيعاب اشيائه، فالمؤقت لا يزال كامنا في معطيات الازمة الوطنية منذ الصائفة الاستقلال الساخنة، وغاية ما يحدث هو أنه يتم مواراته في الخطاب السياسي عبر استبدال اصطلاحي يرام من ورائه القفز باللغة على الواقع.

فبعد ثلاثين سنة من الهروب من المضمون التاريخي لـ”المؤقت” الذي خلدته حكومة بن يوسف بن خدة بوصفها حامية وحاملة الشرعية السياسية لثورة ودولة الاستقلال في الجزائر، ظهر سنة 1992 مصطلح الانتقالية كتدبير لغوي جديد لقلق السياسة المستمر بفعل الحضور القوي والخفي لـ”المؤقت” الأول الذي هو ميراث قائم بذاته يقتضي، كما أسلفنا بالقول، تفكيك، تفكير وتدبير!

وعندما اندلع الحراك باعتباره ارتداد زلزالي تاريخي قوي، كاستجابة مستمرة لقلق السؤال الوطني المضطرم والمستمر في الضمير الجمعي للامة، لوحظ استماتة الجهات الفاعلة في السلطة أو ما تسمى في أدبيات الخطاب السياسي بالجزائر بالسلطة الفعلية في تلافي الاستجابة إلى مطالب قطاعات واسعة من الشعب في المضي إلى إعادة التأسيس السياسي الصحيح للدولة، وهذا من خلال فرض البقاء داخل منظومة القوانين والشرائع التي هي وليدة الأزمة الازلية والمؤدية إلى اندلاع الارتدادات الثورية في عديد من محطات تاريخ النضال السياسي للشعب من أجل الحرية، الديمقراطية وإعادة البناء الوطني.

إذن هكذا يظل إرث “المؤقت” للزعيم الراحل بن يوسف بن خدة كمدلول سياسي لعطب وطني مستمر ومستقر في حيز لا زمني وإنما تاريخي يتفاعل في ضمير الأجيال المتعاقبة كوميض نور في دُجى ليل الشرعية وعتمة السياسة بالجزائر، إلى أن تشرق شمس الحقيقة التاريخية وينفس التاريخ على أرض الشهداء.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici