آليات البقاء لنظم الاستبداد والفساد فيما بعد ثورة الربيع العربي

0
575


Jun 09, 2022

بشير عمري

https://www.raialyoum.com/

في مستوى آخر من صراع الثورة والثورة المضادة التي ميزت ولا تزال مسارات الربيع العربي المتقلبة، قبضة حديدية حاصلة حاليا في تونس بين الرئيس قيس سعيد وقضاة الجمهورية الذين احتجوا على تدخل السلطة السياسية بأعلى هرم جهازها التنفيذي في القضاء وبالتالي التداخل في بنية الدولة المؤسسية ما سيفضي في الأخير إلى حتمية العودة إلى عهد ما قبل الثورة أي الاستبداد والانسداد الذي سيعني بالضرورة استمرار المسبب الثوري كتعبير عن عسر استكمال مشروعه الوطني.

لكن ما تحيل إليه بادرة الرئيس التونسي بإقالة أزيد من خمسين قاضيا بالجمهورية، في بلد استطاع أن يحتفظ بجذوة “التثوير” الأولى التي أخدمت في التجارب الأخرى بالقوة والبطش والاحتيال أحيانا، بعد تنحي وإسقاط الأصنام البشرية التي ظلت واقفة في الباحات والساحات الوطنية لعقود عدة، هو أنها تحيل إلى سؤال جريء لماذا هذا الصراع على القضاء في ثورة شاملة كاملة تجاوزت في شارع ومشروع هدمها حد بنية الاستبداد السياسي للسلطة الحاكمة؟

الحقيقة هي أن مشروع الثورة المضادة يشتغل على فراغات الوعي الثوري ويمضي لملء تلك الفراغات وفق الخارطة التي مضى عليها مشروع ما قبل الثورة، هذا المشروع الذي اهتم بحصر وحشر العقل العام داخل أبجديات وأدبيات خطاب سياسي واحد وواضح، ومتمحور حول الحكم باعتباره عنصر الخلاص والأمل الوردي وإلا تحول، في الافتداء تداعيا لغضب وضغط الثوار، إلى عنصر أزمة لوحده وبالتالي تقف الثورة مجبرة وفق هذا الميكانيزم الشبيه بإجرائية قطع الغيار عند حد استبدال الحاكم دون المنظومة السلطية وبنيتها المركبة الشاملة حتى تجتث مسببات وآليات بقاء ما قبل الثورة.

فعندما اختزلت ثورات الربيع العربي في شخص بن علي، علي عبد الله صالح، حسني مبارك، بشار الأسد، معمر القذافي وفي الموجة الثانية عبد العزيز بوتفليقة وعمر البشير، سهل على الأجهزة إعمال “آليات البقاء” من خلال مبدأ ملء الفراغ في المشروع الثوري الذي لم يناظر الواقع الناجم عن خراب الحكم وإنما اختزلها في الحاكم شخصه وعائلته ومحيطه، ومن ثمة شخصنة القضية الثورية.

إذن يمكن القول بأن هزائم الثورات العربية العمودية منها، أي ذات المنطلقات المطلبية الشعبية، والأفقية المنبثقة من مبادرات نخبية حاكمة عسكرية منها ومدنية، إنما هي منحصرة أساسا في فشل مفهوم التحرير كأداة إجرائية رئيسة للوصول إلى الحرية، تحرير عناصر انبساط الحرية وترسخ ثقافتها بما يضمن للعمل السياسي والنشاط الاقتصادي والحق الثقافي أن يتجسد ويستمر!

ويظل أهم عناصر التحرير محل البحث هاته هي ذاتها عناصر الاستبداد طالما أننا سلمنا فيما سلف بأن معضلة الثورة العربية هي سقوطها في ظاهرة ملء الفراغ المطلبي الثورة الذي يشخصن أساس الثورة وينزاح عن أرخنتها، هما القضاء والاعلام!

وعندما نتحدث عن القضاء خارج الاطار النظري البنيوي للدولة باعتباره سلطة قائمة بذاتها أو هكذا يجب أن يكون، مستقلا عن باقي السلط الأخرى، ونمعن النظر في فتيل ثورة الربيع العربي الأول بمنطقة سيدي بوزيد حيث احرق محمد البوعزيزي (المواطن) نفسه بعد تعرضه للقهر من شرطية (السلطة) ندرك مدى تجذر مسألة فقدان قدسية المواطنة لطغيان سلطة التنفيذ واستحالة اللجوء إلى خيار الخلاص (إقامة العدل) والتقاضي وإلا لما اقدم البوعزيزي على حرق نفسه، المفارقة أن الوعي الثوري توقف أو تم توجيهه للتوقف عند فساد بن علي وحاشيته وبالتالي تشخصن الحدث التاريخي ولم يتأرخن، وبالتالي سهل عملية الاستبدال لملء الفراغ الذي نظرت إليه أبصار الثورة دون بصائرها وعاد أو يكاد الكل إلى المربع الأول!

القضاء هو آلية ضبط الصراع حول القوة وآليتها والخيرات وجماعتها، وبموجب ذلك وهو السلطة الحيادية الحيوية التي بوسعها ضمان استمرار الثورة إذا ما استطاعت من خلال مشروعها أن تعي بقيمة تلك الحيوية وبكونها أهم وأعظم من عملية هدم ثوري جزئي يقف عن حد الحاكم المستبد شخصيا!

والفاجعة هي في رؤية مجتمع الثورة كله ولا سيما منه السياسي، يقف موقف المتفرج من صراع السلطة مع القضاء وكأن الأمر لا يعنيها، في حيادية سلبية وحيدة عن المسار الثوري ذاته.

 والاعلام كثاني العناصر الحيوية في انتصار وانتشار الثورة على نطاقي الواقع والوعي، ولكونه هو أداة اخبار وكشف المستور فهو جهاز رقابة ضامن للاستمرار الثوري إذ ينفلت من قبضة السلط بما في ذلك سلطة الثورة ذاتها التي قد تتمحور وتنغلق عن نفسها وتغدو آكلة لأبنائها وللمجتمع كما حدث في عديد التجارب الثورية العالمية عبر التاريخ!

لهذا تستميت قوى الثورة المضادة في سياق الربيع العربي في الاحتفاظ بهيمنتها وعدم التفكير البتة في الاستسلام والتسليم بضرورة استقلالية القضاء وحرية الاعلام، لأدركها أولا أن ذلك يقوض أساسات وجودها، وأن الوعي الثوري العربي لا زال يقف عن هامش التاريخ إذ يرى السببية الثورية انحراف الحاكم وليس المنظومة السلطية حيث تتدافع قوى المجتمع خارج آليات ضبط الصراع والتدافع ما يعطي الفرصة والشرعية للأنظمة كي تعيد المجتمع بحجة إنهاء الفوضى (الاحداث الناجمة عن التفاعل الثوري الطبيعي) إلى مربع الاستبداد الأول!

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici