فضاءات الوعي البديل كقواعد للتغيير السياسي بالجزائر

0
969


Dec 01, 2022

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

ليس هنالك أوضح ما في المعضلة السياسية بالجزائر اليوم من ضلالة نخبها المعارضة وعدم قدرتها على التجديد الذاتي المفضي حتما إلى السبل التغيير المرتجاة من الجميع، والتجديد المفقود هنا يتعلق بما هو أعمق من الخطاب إذ أنه ليجمح تمددا في المسألة الاستراتيجية المتعلقة بالعمل الوطني البديل أو المصحح لأحقاب تجربتي الأحادية المستمرة والتعددية المستشكلة.

لكن ما هي مقومات التجديد ومجالاته الواجب تحققها كشرط للمرور إلى مرحلة التغيير الحاسم الذي تهفوا إليه الأفئدة وتشرئب له أعناق الجميع استشرافا واستجداء؟ وهل حقا يمكن التجديد عبر أدوات قديمة ورؤى متقادمة؟

في منشور له على صفحته بالفيسبوك، اعتبر السياسي المعارض سمير أباعوز أن العمل على طرح مبادرة سياسية جامعة تهدف إلى التغيير الديمقراطي الحقيقي هي أهم مهمة للنخب المعارضة في الحاضر والمستقبل القريب على أمل أن تعود الروح للحراك الشعبي، وهنا يكمن التساؤل الاشكالي، هل حقا بات لمنطق المبادرات من جدوى في ظل التآكل العميق للنخب السياسية بالجزائر؟

ما يمكن الجزم به هو أن الحراك الذي تفجر في الوسط الشعبي قبل قرابة الأربع سنوات لم يكن خلاصة أو تتويجا لنشاط سياسي وطني بل مبادرة شعبية عبرت عن غيرة ويقظة العقل العمومي حيال الأزمة الوطنية للسلطة التي انتقلت في مسار أزمتها  الذاتية الأزلية تلك من اللا شرعية إلى اللا مشارعية وباتت تدار وفق أهواء ورغبات أفراد وصفوا تحجيما وتجريما بـ”العصابة” في مسعى للتطهر وتحاشي التغيير الجذري الثوري المأمول، فالنشاط السياسي مشلول ومعلول بسبب الاغلاق التام لحقله وعقله من طرف السلطة وسدنتها وخدامها من نخب منتفعة ومتنفعة.

وفي ظل وضع كهذا الذي آلت إليه الساحة السياسية في الجزائر مذ دشنت مرحلة التعددية، بات من الصعب الحديث عن مبادرات سياسية من الأطراف النشطة في جناح المعارضة ناهيك عن جناح الموالاة، لأنه لم يعد ثمة عنوان يضبط المرحلة بل إن المرحلية في السياسة بالجزائر قد انفلتت من التحقيب والعنونة ما يجعل تصور، صياغة وطرح المبادرات ضرب من الخيال ليس غير.

النخب السياسية الحقيقية التي لا تزال تعبر عن حقيقة الازمة التاريخية للسياسة وللعمل الوطني بالجزائر، هي مطالبة في ضرورة تجددها وتبدلها بأن تبحث عن مداخل جديدة للتغيير طالما أن كل التجارب الفائتة والقائمة حاليا أكدت بأن المدخل الحزبي والمؤسسي السياسي يظل مستحيلا مادامت السلطة متولية ومحتكرة لإدارته وتوجيهه وفق أجندتها الخاصة.

والمدخل البديل يظل، كما سبق وأشرنا في سابق مقالاتنا هو الفضاءات البديلة حيث يستقر الجسد الوطني في خدر أعضائه الحيوية، في مجتمعات كل من الطلبة، الثقافة، والشغل والشبيبة، وعندما نحاول رصد الحركية الوطنية في هاته المسارح الكبرى لا نكاد نرى سوى جهود معزولة لبعض الجامعات التي تتحرك زمن الأزمات فاسحة المجال للنقاش الوطني، أو بعض الجامعات الصيفية، كما أن بعضا من المقاهي الثقافية القليلة في عددها وعدتها تحاول خرق الحصار المضروب على حرية التعبير بالبديل وهي مقاهي نشطة بالأخص في منطقة القبائل.

لكن على قلة هاته الفضاءات ونقص إمكانياتها وعدم الاهتمام بها قدر الاهتمام الحاصل بالنشاط الحزبي العقيم، إلا أنها أبانت عن مقدرة كبيرة ممكنة لتحقيق الوعي التغييري من خلال قدرتها على تعميق هذا الوعي المفقود (التغيير) وإزالة مسببات التسطيح والتسطح في فهم المعضلة الوطنية وذلك بفضل نوعية الضيوف والنشطاء الذي يدعون على ارائك النقاش.

لكن ما يظل يؤخذ على هذه الفضاءات هو منزعها الشللي أي انحيازها للخلفيات الأيديولوجية للقائمين عليها ما يفقد أحيانا النقاش والحوار بعده التعددي النقدي، وبالتالي يعيد انتاج الإخفاق الحزبي داخل الفضاءات البديلة هاته.

ففي كل المقاهي الثقافية والسياسة التي تنظم هنا وهناك يحضر صوت واحد يعبر أن اتجاه واحد، وهو ما يمنع فكرة هذا التيار نفسه من النماء من خلال الصوت المعارض له ويمنع هذا الصوت المعارض من استنطاق ذاته وتجربته في العمل السياسي الوطني ما يسهم إلى انبثاق فكر وطني وعقل سياسي جديد.

لقد أضاع السياسي الجزائري الجاد في مسار النضال الوطني وقتا ثمينا في ركضه العشوائي خلف حلم التغيير، لأنه ركز كل جهوده على وهم حقيقة ادعى أنه وحده من يملكها، وقذف بكل شركائه في العمل الحزبي خارج التاريخ وخارج الزمن، قبل أن يصدم بأن الحقيقة الوحيدة في السياسة هي أنه لا حقيقة فيها بل حسابات استراتيجية وقدرة أو عدمها في التحكم في فن إدارة الممكن.

المفترض أن الوعي الجديد بالقضية الوطنية في الجزائر ومعضلة السياسة فيها قد انبنى أساسا على خلاصتين مهمتين أولهما أن أزمة السلطة هي تاريخية مسيسة وبالتالي أي محاولة لحلحلتها خارج هذا الحيز التاريخي عبر استيعابه وتمثله واستحضاره في السؤال النشأة الوطنية يعد خطوة خاطئة في الطريق، وثانيها أن مسعى التغيير القائم على أسس أيديولوجية للمجتمع ليس سوى تكريسا إضافيا للأزمة، كل اللغط والحماس الأيديولوجي الذي استحضر في معرض التعددية الأولى (1989-1992) من وطنية مجروحة وعلمانية موشومة واسلاموية جموحة لم تكن بقادرة على بلوغ عتبة التغيير، ليس فحسب لأسباب موضوعية متعلقة بالغلق والخنق للمشهد السياسي من طرف السلطة التي هي ببنيتها وخلفية نشوئها الخاطئة غداة الاستقلال قد تشكلت كلوبي أو حزب حاكم بغير عنوان، بل أكثر لأسباب ذاتية لتكلم التيارات المؤدلجة التي زعمت بأنها اكتشفت للمجتمع ذاكرته واخترعت له دواؤه وهي بطبيعتها وعبقريتها غير معنية بمرض المجتمع وفقدان ذاكرته وهويته وعليه ليست مضطرة أن تتطور في فكرها ورؤاها مع تطور هذا المجتمع سياسيا ووطنيا!

إذن فأهم مبادرة يمكن إعلانها والالتفاف حولها هو ضرورة اللجوء الفوري إلى تغيير استراتيجية التغيير لهاته النخب السياسية المعارضة بجدية والجادة في معارضتها وذلك من خلال مراجعة تامة لتراثها السياسي في منطلقاته وتوجهاته وفق فهم جديد للمسألة الوطنية والمعضلة السياسية للجزائر والكف عن وهم امتلاك الحقيقة والاعتقاد بأنه لا إمكانية للتغيير إلا عبر المدخل “السياسي الحزبي المسدود” بإحكام من الحكام.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici