يومية الجزائر
Édition du
12 November 2019

نوفمبر 54 يتجدّد في جيل 22 فبراير

يخطئ من يظن أنّ الساحة منقسمة اليوم إلى أنصار انتخابات 12 ديسمبر ومعارضيها، أو إلى دعاة ومناصري الحراك والمناهضين له أو المتوجسين منه، فهذه مجرّد صورة تبسيطية تؤشّر إلى انقسام أعمق في الرؤى والتحليل وتقييم للوضع والحلول الممكنة له، بين من جهة من يعتقد أنّ السلطة الحاكمة حاليًا بعد عزل بوتفليقة واعتقال عدد من رموز الفساد، العسكريين والمدنيين، سلطة مختلفة عمّن سبقها، وقادرة على نقل البلد إلى شاطئ الأمان وتخليصه من حالة الفساد المستشري والفشل العارم والاستبداد الغاشم، وبين، من جهة ثانية،  من يرى أن الحكم الراهن جزءٌ لا يتجزأ من منظومة الحكم السائدة منذ 62 ولا يختلف عنه قيد أنملة في أسلوبه وعقلية تسييره لشؤون الدولة، مهما بدا مختلفًا في الإجراءات المتّخذة مؤخرًا لإعطاء نوع من الانطباع المُطَمئِن للمواطنين لكي يواصل المسار.

وتوضيحا لهذا الأمر، يجدر التذكير ببعض الحقائق التي من شأنها أن تفكّك المغالطات المروّج لها والصور الزاهية التي يراد نشرها لتغليط المواطن وجعله يعتقد أنّ جزائر اليوم غير جزائر ما قبل 2015، تاريخ أخذ هذه “الجماعة” المتحكمة اليوم، زمام الأمر، وعملها جاهدة منذ ذلك الحين، لوضع حدّ لمنظومة العصابة كما تسميها هي نفسها. إنّ إمعان النظر في مسار هذه السلطة الجديدة، يبيّن أنها غير مؤهلة بتاتًا للإصلاح حتى ولو أرادت ذلك، لأنها لا تملك أدواته ولا منظومته ولا آلياته، فأنّى لها أن تنتقل من دولة مستبدّة محتكرة للقرار، إلى دولة منفتحة على مواطنيها محترمة لسيدتهم وخيارهم.  السبب جدّ بسيط، فمنظومة تفكيرها ونشأتها منذ ولادة جزائر الاستقلال الفتية، تتنافى بالمطلق مع أسس دولة القانون، دولةٌ تكون السيادة فيها للشعب، دولة حق المواطن في تدبير شؤون بلاده دون وصاية من أيّ جهة.

لا ينكر إلّا جاحدٌ أو مكابرٌ أو انطوائيٌ يرفض رؤية الأمور كما هي، أنّ كلّ القرارات الحاسمة اليوم تُتّخذ في الثكنات وكلّ الخطب الموجّهة إلى الشعب مصدرها الثكنات وكلّ الأوامر بالاعتقال والتضييق منبعها الثكنات وأنّ الوحيد الذي يمارس السياسة اليوم هو قيادة الأركان، بما يؤكد الطبيعة العسكرية للدولة حاضرًا ومستقبلًا لو – لا قدر الله – استمرّ الوضع على حاله. هذا النمط في طبيعة الحكم ليس أمرًا جديدًا، بل مجرّد امتداد طبيعي لمسار الحكم السائد منذ 62 بلا انقطاع، رغم تعدّد الواجهات السياسية المنفّذة، وتعاقب المسؤولين في أعلى مناصب الدولة الصورية. الثابت على مرّ العقود التي تعاقب عليها رؤساء عدة وعشرات الحكومات، أنّ الجهة الوحيدة التي كانت تمارس السياسة وتحتكرها لنفسها هي نواة في قيادة الجيش، وما عدا ذلك، لم يكونوا سوى وكلاء ومنفذين، يتقيّدون بالقاعدة الصارمة، غير المكتوبة، التي لا تقبل الزيغ عنها قيد أنملة. وعملًا بهذه القاعدة، يلاحَظ أنّ طيلة هذه العقود من الزمن، لم تكن كافة المجالس المنتخبة، التي يُفترض أنها تمثّل أحزابًا سياسية، ببرامج خاصة بها، سواء على مستوى البلديات أو الولايات أو المجلس الشعبي الوطني، أكثرَ من ملحقات لجهاز الإدارة، المنفّذ المباشر للسلطة العسكرية الفاعلة، وهو ما أقرّ به العديد من كبار المسؤولين في الدولة، من جملتهم، ثلاثة رؤساء حكومة، أوّلهم  السيد عبد السلام بلعيد الذي اعترف بأنّ القرارات كانت تُتّخذ إبّان ترؤسه للحكومة، في أماكن خفية، وأنه لم يكن سوى “خضرة فوق عشا”، إلى جانب تصريح السيد أحمد غزالي الذي قال “كنتُ اعتقد بأنني أستطيع خدمة بلدي، دون ممارسة السياسة”، في اعتراف ضمني منه أن تنصيبه رئيسًا للحكومة كان مشروطًا بترك المسائل المصيرية التي تخصّ البلاد لجهات أخرى (أصحاب القرار مثلما كان يسميهم محمد بوضياف)، مضيفا “وقد أخطأت عندما اعتقدت أنّ ذلك ممكنًا، لقد استخدموني كما لو كنت حركيًا للنظام”، والسيد أحمد حمروش الذي اعتبر أنّ السلطة “غير وطنية”، ورفض الترشح في رئاسيات 12 ديسمبر 2019، موضّحًا أنّ انتخاب رئيس لن يحلّ المشكلة، وكلّ ذلك يبيّن أنّ حلّ وضع البلاد يتجاوز بكثير مجرّد انتخاب رئيس أو تعيينه.

هذه القاعدة غير المكتوبة، التي تسير عليها قيادة الجيش ولا تسمح لأحد بانتهاكها، هي التي كانت تحدّد هوية المسؤولين المسموح لهم بالمناصب، وبالمقابل إقصاء كلّ من لا يقبل بها بل ومعاقبته أشدّ العقاب، إمّا سجنًا أو نفيًا أو حتى اغتيالًا، مثلما شهدنا ما فعلوه مع بوضياف، بعد استعماله لأقلّ من 8 أشهر لإضفاء الشرعية على انقلابهم، مستغلّين صورة الرجل، ثم سرعان ما اغتالوه بعد أن بدأ يتجاوز الخط الأحمر الموضوع من قِبل هذه القيادات، أيْ ممارسة العمل السياسي بمعناه الشامل “المحظور”. وهذه القاعدة هي نفسها التي حدّدت من هي الأحزاب التي يُقبل اعتمادها والتي يُرفض الترخيص لها ومضايقتها أو العمل على تفجيرها من الداخل إن وُجدت، مثلما فعلوا مع جبهة القوى الاشتراكية، من خلال إنشاء ضرّة لها فيما يُعرف بقضية جبهة القوى الاشتراكية1 وجبهة الاشتراكية2، وسيلة لإدخالها بيت الطاعة، والأمر كذلك في محاولة تفجير الجبهة الإسلامية للإنقاذ (بعد جوان 1991)، خشية رفضها قاعدة الرضوخ لحكم العسكر، فأنشأوا “جبهة ڤشي” لتكسير “جبهة حشاني” رحمه الله، قبل أن تذهب محاولتهم مهبّ الريح، عقِب تنظيم مؤتمر الوفاء بباتنة، في ظروف صعبة وجدّ حرجة، عملت السلطة خلالها كل ما تملك لمنع انعقاد المؤتمر، لكنه تمّ بالفعل وأعاد الشرعية لجبهة الخط الأصيل ليتكلّل في انتخابات 26 ديسمبر 1991 بفوز الجبهة الإسلامية بغالبية مقاعد المجلس الوطني في الدور الأول، مِمّا زرع الرعب في أوساط الحكم الفعلي الذي لم يجد بدًّا من إجهاض  أوّل انتخابات تشريعية تعدّدية وشفّافة في تاريخ الجزائر، إدراكًا منه أنّ المجلس المنتخَب غير مستعدّ لقبول قاعدة العسكر التي تحتكر القرار السياسي المصيري، والاكتفاء بدور الواجهة والوكيل المنفّذ لأوامره، فانقلبت عصابة “اليناريين” على خيار الشعب وأدخلوا البلد عشرية دموية لا نزال نعيش مآسيها إلى يومنا هذا. وحتى جبهة التحرير الوطني التي استُخدمت كواجهة تضفي الطابع السياسي على الحكم العسكري القائم من 62 إلى 88 في عهد الحزب الواحد، واستُخدمت لاحقًا إلى جانب التجمّع الوطني الديمقراطي ، لم تنج من التفجير الداخلي والانقلاب عليها إبّان رئاسة السيد مهري رحمه الله، الذي تمّ الغدر به في ما يُعرف بـ”الانقلاب العلمي” على يد عبد القادر حجّار وعبد الرحمان بلعياط سنة 1996، بعد أن رفض السيد مهري الخضوع وتطويع جبهة التحرير لتكون واجهةً سياسة لحكمٍ عسكري.

من الخطأ الاستراتيجي الاعتقاد بأنّ السلطة الحاكمة اليوم بديلٌ “وطنيٌ” منقذٌ من دولة توفيق والدولة العميقة (أو حزب فرنسا)، وأنْ يدفع مثل هذا الاعتقاد البعض إلى مناكفة حَراك الشعب واتهامه أو التوجّس منه، فلا أحد ينفي وجود بقايا من دولة توفيق في صفوف الحراك يعملون على تصفية حساباتهم مع من أقصاهم من مناصب التحكّم وحرمهم من  الاستمرار في نهب البلاد، ولا يجمعهم بالحَراك أيّ مطلب من مطالب تغيير منظومة الحكم، لأنهم جزءٌ منها ولا يرغبون عنها بديلًا، تمامًا مثلما يوجد بعض وجهوه الاستئصالين المعروفين بملازمتهم حكم الدبابة منذ عشرية التسعينات ومساندتهم المطلقة لعمليات سفك دماء الأبرياء من “أجل إنقاذ الجمهورية” على حدّ زعمهم، وهؤلاء يسعَوْن إلى تبييض صفحتهم الدموية وركب موجة الحَراك والتمَوقع لاحقًا. وجود هذه الأصناف لن يغيّر من جوهر الهبّة الشعبية، فالحَراك هو حَراك الشعب لا حَراك هؤلاء ولا أولئك ولا أيّ جهة بعينها، وإنما حراك المجتمع بكل أطيافه وقد تمكّن بفضل مثابرته وتمسّكه بنهجه أن يُحبِط كل محاولات الاختراق والالتفاف والإجهاض أو الشيطنة.

المتابع لحَراك 22 فبراير قد لا يجد له مثيلًا من حيث العمق والمثابرة سوى ثورة نوفمبر 54، وإنه لمِن دواعي الفخر والاعتزاز أن ينتمي المرء إلى شعب أبهر العالم بثورة مسلّحة كانت بوابة لتحرير جلّ أفريقيا في خمسينات القرن المنصرم وثورة سلمية قد تحرّر كافة أرجاء العالم العربي القابع تحت نير الاستبداد المحلّي، شعب يزيدنا، في كلّ يوم يمرّ من حَراكه المبارك، فخرًا وعزة وثقة في مساره الثابت الذي حقّق جزءًا كبيرًا من أهدافه بفضل تمسّكه بهذه الأسس الرئيسية الثلاثة من منهجه التغييري: وحدته (مطالب جوهرية تجمع بين مختلف فئات الشعب على اختلاف مشاربها وتضمن للجميع حقوقهم في دولة القانون) وسلميته وتمسّكه بمطالبه التي  لن يساوم عليها.

كلّ يوم يمرّ يؤكّد أنّ الجماهير التي خرجت يوم 22 فبراير وقد دخلت شهرَها الثامن في هبّتها المباركة، لم تفتُر عزيمتها وغير مستعدة للعود إلى الوراء لتقبل بحلولٍ سطحية جزئية كاذبة، ولن ترضى بأقلّ من تحقيق مطالبها الأساسية، مثلها مثل العصفور الذي تخلّص من ضيق قفصه ولن يرضى بأنْ يعود إليه مقابل الفُتات، فالشعب الجزائري  قد عزم أمره، لأنّ أمامه مستقبل يُصنع الآن وتشرئبّ له أعناق أجيال متتالية، لطالما انتظرته، فمِن العبث محاولة إعادته إلى مربع سجنه الأوّل.

أثبت الحَراك أنه يشكّل المؤسسة الوحيدة الشرعية (اللاقانونية من منظور الأنظمة المستبدة) التي تضمن الانتقال الديمقراطي الحضاري، بعد أن تحوّلت المؤسسات الرسمية المفروض تمثيلها الشعب، إلى شهود زور وأدوات للتعسّف والاستبداد، لذلك من واجب ومسؤولية كلّ الأحرار دعم هذه المؤسسة الشعبية الشرعية والحِفاظ على زخمها بدلًا من التشكيك فيها أو الطعن فيها أو خذلانها، وقد أدركت السلطة قوة وعمق جذور هذه المؤسسة المتمثّلة في الحَراك وأيقنت أنها  لن تستطيع القضاء عليها أو احتوائها أو تفتيتها بشتى الحِيَل مثلما فعلت مع الأحزاب والتنظيمات والشخصيات، وأدركت بذلك انّ الحراك الذي أصبح هاجسها يقضّ مضجعها، هو الوحيد الذي يواجه بوعي وعزم وصرامة مخطّطها ويشكّل البديل عنها، خاصة بعد أن فشلت كافة محاولتها لحرف مساره أو الدفع به نحو معسكرها المفضّل، وهو استعمال العنف.

من فضائل الحَراك النمو الهائل في وعي المواطنين الذين أدركوا أنّ الانتخابات في ظلّ النظام القائم، الذي استبدل عصابة بأخرى، لن يحلّ مشكل الجزائر المتمثّل في غياب الشرعية وانعدام دولة القانون، وأنّ كل ما قدّمته السلطة الراهنة لا يعدو كونه جزئيات ونوعًا من الرشوة لحرف مسار الحَراك وصدّ الأنظار عن جوهر مطالبهم وأنّ ما قدّمته على أنه انجازات في إطار محاربة الفساد والعصابة ليس أكثر من معالجة عابرة لمخلّفات منظومة الفساد دون أن تمسّ صلب المنظومة التي أنتجت هؤلاء وتستمرّ في استنساخ فيالق أخرى، مثلما أوضحه أحد رجال النظام نفسه والعليم بأدقّ تفاصيله السيد مولود حمروش، والشيء نفسه بالنسبة لبعض الأحزاب التي انخرطت من قبل في هيئات ومجالس النظام بحجّة الإصلاح من الداخل، ورغم مكوثها “طويلا” في هياكل السلطة، أدركت في نهاية المطاف عبثية محاولاتها، الأمر الذي جعلها ترفض اليوم  الانخراط في مخادعة  12 ديسمبر.

كّل المؤشرات تثبت أنّ هذه الانتخابات المرتقب إجراؤها في 12 ديسمبر لن تقدّم حلًّا لمشكلة الشرعية، لأنّ أيّ حلّ مفروض هو مرفوض، لأنه اتُخِذ دون حوارٍ أو نقاشٍ بين الأطراف المعنية، الشعب على رأسها، وتمّ فرضه قهرًا من قِبل سلطة أعمتها غطرستها فاعتقدت أنها ليست في حاجة إلى غيرها للخروج من أزمتها، والمثل يقول “الغطرسة مفضية إلى الهلاك”.

رشيد زياني-شريف
31 أكتوبر 2019


Nombre de lectures : 2451
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi