يومية الجزائر
Édition du
13 December 2019

العودة إلى عهد حروز السياسة وسلطة الغيب والغياب


بشير عمري

 11/11/2019
https://alsiasi.com/

قام النظام الجزائري عبر مراحله، مذ اسقط شرعية الحكومة المؤقتة، على مصادرة الرمزيات الشعبية وتأميم المقدس واستعمالها كلها من أجل بقائه متحكما في دواليب الدولة والمجتمع، ومن تلكم الرمزيات، المؤسسة الدينية الشعبية التي تختزن في الذاكرة الجمعية والمجتمعية للشعب الإسلام الفلكلوري المؤسس على فنطازيا المناسبات والطقوس الطرقية التي كانت طوال عصور الظلام تمثل المرجع الثقافي للشعب والتجسيد الفعلي للهوية المجتمعية، ولأن مشاريع النظام الانتقالية بعد الاستقلال التي لم تنجح في تحقيق النقلة التي ارتجاها في الوعي التاريخي كمثل بلوغ المجتمع الصناعي الحداثي الاشتراكي، وملامسة التجربة الفلاحية في يوغسلافيا فيما نعتت بالثورة الزراعية وتثوير العقل عبر مشروع الثورة الثقافية ذات الأصل اللينيني، عاد ليحتمي من نفسه من فشله بالمقدس الشعبي الهادئ، بدعمه وبث فيه روح النشاط الاجتماعي الذي يتجاوز حدود وتقاليد نشاطه في المجتمع.

كيف تصرفت الزوايا مع السياسة في الجزائر؟ لماذا صارت لعبة انتخابية مذ تحولت البلاد إلى التعددية؟ وما الدور الذي صار يراد لها في لحظة الحراك الثوري الحالية؟

التدين الطرقي أو دروشة الشعب

بصرف النظر عن مفهوم التدين الشعبي والتفصيلات الأكاديمية التي يقترحها علينا على لاجتماع الديني بهذا الخصوص، يمكن حصر التطبيقات كمفهوم عملي في كونه ذلك السمت الخاص في ممارسة الاعتقاد وفق مرجعيات بسيطة يقتصر فيها على هوامش الروحانيات والعبادات والشعائر التعبدية اليومية والاحتفاليات الدينية الموسمية، طبعا تأسس هكذا اتجاه في التدين في فترة الضعف الإسلامي وعبر مسار عهود الظلام الحضاري الذي تلا الانهيارات الكبرى في الفكر والثقافة للإسلام الحضاري، ما جره للسقوط في قبضة الاستعمار الغربي الذي استمد قوته من تفوقه الحضاري المتصاعد.

فكان الاحتماء من قوة الآخر المندفع بمقالعه ومدافعه وفكره وصناعته لفتوحات استعمارية كبرى، بذلك المقدس الذي صار يتجسد في زعامات روحية تضفي على نفسها أو يضفى عليها من المريدين والإتباع هالة الوقار والتقديس وفق أحداث وأحاديث خرافية كانت قابلة إذ ذاك للتصديق، تماشيا ومنصوص الرديات القديمة التي تشير للكرامات والعلامات وغيرها من أدوات الاعمال والاستعمال المفرط للغيب، كل ذلك في ظل عدم فهم بنية الفكرة الإسلامية في الدعوة والتطبيق وثنائية مكنونها الغيبي والشهادتي، والعجز عن فهم وصنع عالم الشهادة بسبب تراكم الجهل والأمية، ارتحل العقل الشعبي إلى الغيب يحيل إليه كل شيء بما في ذلك عام الشهادة نفسه وفستحالت ثانئية البنية (غيب/شهادة) إلى أحادية (غيب/غيب) فغاب الانسان عن التاريخ.

القدرية او اللا ثورة

هكذا طغي الغيب على المعقولية التي يحض عليها الإسلام في نصه المرجعي الأول أي القرآن الكريم، وتنازل المسلم الجزائري كما جل المسلمين في العالم عن وعيه لمشيخة الطرق والزوايا، الذين راحوا يتصرفون به بما يخدم مصالحهم، ومكتسباتهم التي كانوا يحقوقنها من المجتمع بالجبيات (الطوعية) والصدقات والولاءات والوعدات، ومن أجل ديمومة هذا الخراج المقدس الكبير، انتجوا فكرا آخرا للدين مؤسس على الغيب المطلق بتغييب (من الغيب) التاريخ نفسه واعتبار أنه نهر قدر جار وما علينا سوى التسليم والاستسلام لمجراه ومنتهاه.

فحتى الاستعمار قرؤوه للناس على أنه قدر ينبغي التسليم به وعدم مواجهته، وطبعا شجع الاستعمار ذلك “الإسلام الطوبي” بل وأمده بالعون في بعض الجهات، من قبل أن تبرز حركة إصلاحية دينية ممثلة في جمعية العلماء المسلمين، نسفت بما استطاعت ذلك المشروع وإن كانت قد أخطأت في بعض الجوانب المتصلة بمفهوم التحرر والحرية.

الانقلاب على الشرعية واستدعاء الدروشة

بعد الاستقلال لم يولي النظام في بادئ الأمر أهمية كبرى لهذا الطابع من التدين، في خضم معركة التنمية ذات المنزع التحديثي القسري القاطعة مع المنطق، بسبب افتقار وافتقاد الوعي الجمعي لحمل هكذا مشروع، كل ما ظل يهتم به في المسألة الدينية هو أن يؤمم خطابها كي يصبح خادما وطيعا لمشروعه ذاك، من خلال المنابر والمدارس والمعاهد التي كانت تتولي التسويق الديني لفكر ومشروع النظام السياسي الأحادي.

لكن مع بدء تنامي الوعي القاطع مع مشروع النظام واحتكاره لكل جزئيات المعنى رمزيات البلاد المكونة لتنوع الهوية، وانبلاج خطاب الإسلام الحركي المنصرم من قيود الغيب القدري (الطوبي) أي غيب الزوايا، والمتجاوز للأبعاد التقريرية المدرسية الرسمية الرسامة لشكل المسلم الطقوسي الغارق في فقه المراحيض، باشرت أجهزة النظام تخلق ظهيرا للنظام مناوئا للمشروع الحركي يعيد الشعب لقبضة السلطة بدعة ووداعة.

ومع إخفاق الإسلام الحركي الشنيع سياسيا، وجره للخطيئة الوطنية في عشرية دموية سوداء، راح النظام بالموازات مع خطته لتلويث الاسلام السياسي بشقيه الثوري المغالب (السلفية الجهادية) بإدخاله في حرب ضروس وإلباسه كل كوارثها فتلطخ الى الابد بلوثة الإرهاب، والشق المشارك في السلطة (الاخوانية) بتلويثه بالفساد بعد أن جرها لمائدته الافسادية، كان يقوي من البنية التحتية للإسلام الشعبي (الطرقي) بترميم الزوايا القديمة وبعثها وتأسيس زوايا أخر، إعطاؤها حضورا كبيرا في الاعلام العمومي وعقد ملتقيات ومؤتمرات وتجمعات طرقية دولية سنوية تحضرها شخصيات طرقية من كل العالم، بديلة عن ملتقى الفكر الإسلامي التنويري الذي كان يعقد كل سنة في الجزائر.

شيئا فشيئا صار الشارع الديني يعود إلى الفنطازيا القديمة من وعدات واحتفالات وزردات طقوسية طرقية، وانقلبت الزاوية إلى مرجع سياسي في ظلمات غرفها وحاريبها توزع المحاصصات والترشحات الانتخابية، فكان بوتفليقة أبرز من وظف هذا الاتجاه المناقض لعصرنة وتحديث الدولة ومشروع إنقاذ الجمهورية من الحكم الاسلاموي الذي كان قد أعلن عنه كذبا الانقلابيون في 12 يناير 1992.

تبون الحصان الطرقي الرسمي

فليس يبدو غريبا إذن، تقف الزاويا ضد حراك الشباب الثوري المطالب بالتحرر من نظام الاستقلال المفلس على كل المستويات، فإذا كانت هي من دعم الاستعمار بحجة القدر وعدم الاقتدار على التحرر، فأحرى لها أن تدعم النظام في مواجهته للشارع المتحرك اليوم، كونها مستفيدة من الوضع القائم، وأي تغيير سياسي يستهدف عقلنة الدولة وتطهيرها من كل عوامل الدجل والتدجين باسم المقدس، سينعكس عليها بالسلب ويعيدها إلى أحقاب التهميش التي كادت أن تمحيها من الوجود لولا غباء الحركيين الإسلاميين وانقذافهم المتهور في الطاحونة السياسية لنظام ثبت أن ما كانوا يعرفونه عنه لا يفي حتى بالتفكير التأسيس الحزبي فضلا عن المغامرة بمواجهته سياسيا ثم أمنيا.

واليوم ها هو مرشح النظام القديم مجددا قد كشفت عنه بشكل واضح القوى النقابية الطرقية ! من خلال بينها الداعم لعبد المجيد تبون، في إشارة واضحة لا لبس فيها، أن الزوايا وإسلامها الشعبي قادرة، بعد صدها لعاصفة التغيير السياسي للحركيين الإسلاميين أن تصد ريح التغيير السياسي للحراكيين الثوريين العاتي اليوم، طالما أن النظام قد اختار هذا النهج أي اللا تغيير عميق للدولة وشاكلة تسييرها مثل يرفعه شباب الحراك.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري


Nombre de lectures : 2438
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi