يومية الجزائر
Édition du
13 December 2019

الجذور التاريخية والنفسية لمشروع منع الانتقال الديمقراطي

 12/11/2019
https://alsiasi.com/

 بشير عمري

قد يكون مخطئا من يعتقد بأن عسر الانتقال السياسي والديمقراطي الذي يلازم التجربة الوطنية والنضالية المجتمع الجزائري باتجاه الدمقرطة الشاملة، ليس يكمن في عمق وعي ونفسية الإنسان الجزائري ويمتد به في الزمن والتاريخ إلى يوم الخطيئة الكبرى، حين أجهزت جماعة وجدة على الحكم بالقوة وحسمت جدل الثنائيات التاريخية في أولوية السياسي (المدني) على العسكري والداخل على الخارج، ذلك لأن تبعات الخطيئة تلك لتكاد تستقر في الجينات الجزائرية وهو ما يعبر عنه الخيال السياسي لكل التيارات التي ترفض نموذج الأحادية الديكتاتوري العسكري ولكنها لا تقبل بغير نفسها وفكرها كبديل عنه، خلل استمد منه النظام شرعية بقائه بوصفه الواقي الوحيد لما يُزعم بأنه تهديد بالتفكك وانفراط عقد الوحدة الوطنية بسبب أنانية ونرجسية تلكم النخب (الديمقراطية).

فكيف ورط النظام الديمقراطية بدل من أن يطورها في وعي المجتمع ؟ ولماذا لم تتخلص النخب من الهواجس التي صنعها النظام حول التنوع والتعدد وعجزت بالتالي عن فك عقده؟

يثور الصحفي القدير سعد بوعقبة في وجه معارضيه كلما أثير النقاش حول أحداق صائفة 1962 الساخنة، وحركة جماعة وجدة التي أجهزت على الشرعية وعلى مشروع الدولة الديمقراطية التي تضمنها بيان 01 نوفمبر المُتخذ كتأسيس فعلي للدولة الوطنية في الجزائر، بوعقبة المعروف بكونه بومديني حتى النخاع، يذهب مذهب حسنين هيكل الناصري الذي يُمتع بقلمه الناقد للكل ويمتنع به عن كل ما هو ناصري، بحيث يعتبر بومدين منقذ البلد من الحرب الأهلية وأن اعتراض قيادة الأركان يومها لم يكن على شرعية الحكومة المؤقتة بل على محتوى اتفاقية إفيان التي وقعت عليها السلطة الشرعية إذ ذاك أي الحكومة المؤقنة بقيادة الراحل بن يوسف بن خدة، وبهذا يريد سعد بوعقبة إعطاء الانطباع بأن بومدين ما كان ساعيا للسلطة بقدر سعييه لصيانة مصالح الأمة، في حين كل الذي حصل بعد استيلاء جيش الحدود على الدولة والسلطة أثبت عكس ذلك، إذ تم التأسيس لدولة الشخص الزعيم عكس بيان أو نوفمبر الذي كان يحض ويحث على القيادة الجماعية، وجمدت كل الحريات الفكرية، السياسية والثقافية وأجهز على الديمقراطية باعتبارها فوضى وأداة استعمارية لقهر الشعوب.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا، هل ما أضر بالبلاد حقا هو العيب الذي رأته قيادة الأركان في الحكومة المؤقتة وبسببه أزاحتها بالقوة عن مسار بناء دولة الاستقلال، أم المشروع جماعة وجدة الذي أوصل بالبلاد اليوم إلى الباب المسدود؟

تاريخ لا يقبل التقطيع لكونه نهر جار متصل، فأي انحرف في المنطلق يؤدي حتما إلى الهاوية في المنتهى، نحن لا نعيش مُر ثمار سياسة الحكومة المؤقتة، بل مُر ثمار الانقلاب الذي زعم أنه صحَّح المسار سنة 1962 ثم صحَّحه التصحيح سنة 1965 ثم أُصلح التصحيح بعد أكتوبر 1988 ثم أُنقذ التصحيحُ من الإصلاح سنة 1992 ليجيء في الأخير أحد رموز التصحيح ويعبث بالنظام والدولة والأمة على مرأى ومسمع من الكثير ممن عاشوا مراحل تقلب الوطنية الجزائرية الموؤودة بفعل نزعة المصادرة للوعي واغتنام الوطن.

بانقلابه على الشرعية وأساس إنتاجها الأداة الديمقرطية، كان النظام قد أسس لحواجز نفسية ومعرفية تحول ضد ترسيخ هذا المبدأ في الحياة الفكرية والسياسة للبلاد، بحيث لا الوطنيين عبر تيارهم الفوقي عرف كيف يؤسس للعمل الديمقراطي ويتبناه خارج سياجه الإيديولوجي، ولا التيار الاسلامي تخلص من مساطره الفقهية القديمة وانقلب يفكر بدلا من أن يكفر الديمقراطية، ولا التيار العلماني الذي يزعم بأنه الابن الشرعي والخالص المخلص للديمقراطية صار على مارسها وتبناها حزبيا وفي مؤسسات الدولة التي شاترك فيها.

فإذا كانت نظام دولة الاستقلال جاءت بشكل غير ديمقراطي فكيف يمكن له بدمقرطة الدولة؟ هو سؤال تحول من إطاره التاريخي إلى مستوى النقاش السياسي بمعزل عن الأبعاد الفلسفية للظاهرة الديمقراطية وشروط تأصيلها، ما أفرز الإشكال الحاصل في نقاشات النموذج الديمقراطي الأليق بالبلد، وكأن الجزائري كائن غير تاريخي أو فضائي غريب عن التجربة الإنسانية.

لقد رُسخ في وعي الإنسان الجزائري أن المزية الاجتماعية المادية (الفتات الريعي النفطي) أفضل من الديمقراطية بل وحرص الخطاب الرسمي على التأكيد على أنه يمكن جزأرة الديمقراطية تلافيا للفوضى والجوع والضياع الاجتماعي كالذي يعانيه الغربيون داخل نموذجهم  الديمقراطي اللا إنساني، ومع الأسف راحت نخب تدعي حمل الراية والفكر الديمقراطيين تنحو ذات السلوك المتلاعب بأس المبدأ الديمقراطي وهو سيادة الشعب على مصيره، فتحالفت مع العسكر ضد إرادة الصندوق سنة 1992 بحجة إنقاذ الجمهورية من الأصولية، وفي خضم الزخم الذي كان يعرفه الحراك ربيع العام المنصرم، وحتى قبل أن يتمكن هذا الحراك من إزاحة النظام القديم بعدما أزح قشرته الأولى سلطة بوتفليقة، سارعت ذات الجهات الديمقراطية المستريبة إلى طرح رؤية جديدة لمكانيزيم تفعيل الفكر الديمقراطي من خلال تصريح الحقوقي الشهير المناضل من أجل القضية الامازيغية مقران آيت العربي زعم فيه أن المبدأ الديمقراطي لا يقوم على ميزان الأكثرية والأقلية !

من هنا يتضح أن كل التيارات تنادي بالديمقراطية، لكن كلها تخاف من نتائجها، لأنه ببساطة تم تسيس الديمقراطية في وعي الإنسان بدلا من أن تتم دمقرطة السياسة مفهوما وعملا، وهذا ما جعل السياسة والسياسيين والديمقراطية والديمقراطيين محل شك وعدم ثقة لدى المواطنين فأدى ذلك كله في الأخير إلى إحباط عملية التحول من الأحادية إلى التعددية لتعود روح الصرامة والزعامة والقوامة لوعي الناس فرأوا بوتفليقة أفضل من يجسدها من بعد بومدين، فكانت الطامة الكبرى التي لا يزال تهديدها للمجتمع والدولة قائم حتى هاته الساعة.

خلاصة ما تقدم هو أننا نحتاج قبل الجمعية التأسيسية أو المسار التأسيسي أن نراجع مستويات وعينا بالفهوم البانية للوجود الوطني، ولا نقتصر على الأدوات الإجرائية لتفعيل العملية السياسية، فقد ثبت قصور هكذا نهج للانتقال التاريخي من نمط في الحكم صار من بدائيا في حركة تطور فكر الديمقراطي، إلى نمط جديد يأبى أن يظل حبيس أيديولوجيات النخب المسيجة مثلما يأبى الوصايا الفوقية لسلط الاستبداد المدني والعسكري.

الوطنية مشترك جمعي وليس تراث ايديولوجي سياسي يحتكره حزب أو جماعة دون البقية والديمقراطية مشترك أنساني يتيح للجماعة الوطنية فرصة التلاقي والمضي في مسار واحد دون الأحادية وعليه بات على النخب الانفتاح على مفهوم الديمقراطية في التاريخ وعدم الاكتفاء بنقد تجربتها الوطنية.

وعلى من ينتقد مبدأ الديمقراطية أو يكفره بسبب السلوك الاستعماري للقوى التي تدعي حمل المبدأ، في خلط بين المبدإ والسلوك،  أن يدرك بأن الديمقراطية نسق مفتوح للبشرية كي تضيف بثقافتها ومرجعيتها لمسارها المتطور، فالجدل القائم في فرنسا اليوم مثلا بخصوص تفعيل بعض عناصر الديمقراطية كاللائكية يجلي قابلية الديمقراطية للنقد كحاجة للتطوير ما يؤكد أنها (الديمقراطية) صيرورة وليس عقيدة مكتملة القواعد.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري


Nombre de lectures : 1973
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi