يومية الجزائر
Édition du
5 April 2020

جهاز القضاء من “بن تومي” إلى “زغماتي”

Redouane Boudjema
 الجزائر الجديدة 158

عرفت الجزائر منذ 1962 تعاقب 21 وزيرا على تسيير جهاز القضاء منذ 27 سبتمبر 1962 إلى يومنا هذا، وهو عدد بسيط بالمقارنة مع عدد الوزراء الذين تعاقبوا على مختلف الحكومات والذين يقدرون بالمئات في مختلف المجالات.
وقد كانت ولازالت وزارة العدل من الوزارات التي تعكس أكثر شروط التعيين التي تعتمدها مراكز القرار في اختيار من يتولاها، لأن هذه الوزارة من أكثر الوزارات تعبيرا عن الطبيعة الأمنية والاستخباراتية لمنظومة الحكم.
وفي هذا المجال لابد من الاشارة إلى أن أول وزير للعدل كان عمار بن تومي في حكومة بن بلة الأولى وهو أقل الوزراء تعميرا في هذه الوزارة، بالإضافة للوزير سليمان براهمي الذي بقي 3 أشهر فقط، فعمار بن تومي غادر منصبه بعد 11 شهرا و3 أسابيع، أي يوم 18 سبتمبر 1963 بسبب خلافات حول تصوره للقضاء ولاستقلاليته مع شخص أحمد بن بلة الذي كان قد بدأ في استخدام القضاء لتصفية حساباته مع مختلف المعارضين لسياساته، ومنذ ذلك العهد بقي التعيين في هذه الوزارة يخضع للولاء المطلق للعصب أو للشبكات التي تملك قوة وسلطة التعيين في العمق الاستراتيجي للسلطة، حيث يلاحظ تعمير وزراء العدل في مناصبهم، فمحمد بجاوي مثلا والذي يعتبر من الوجوه المقربة من بوتفليقة وباقي الأسماء المعروفة إعلاميا بمجموعة وجدة، حيث بقي في الوزارة أكثر من 6 سنوات، بدأها في عهد بن بلة وشارك مع بوتفليقة وغيره في الانقلاب على بن بلة، ليتواصل هذا الاستقرار النسبي في التداول على هذه الوزارة التي تقاسم تسييرها في عهد بوتفليقة كل من أحمد أويحيى ومحمد شرفي والطيب بلعيز الذي عمر في الوزارة أكثر من تسع سنوات رغم تغيير الحكومات 8 مرات، والطيب لوح الذي بقي أكثر من 6 سنوات رغم التغييرات الحكومية التي تمت على 6 مرات، في حين بقي سليمان براهيمي في هذه الوزارة 3 أشهر فقط في حكومة بدوي الأولى، ليأخذ زغماتي هذه الحقيبة في حكومة بدوي الثانية وفي أول حكومة في عهد جراد، حيث يتقلد هذه الحقيبة منذ 31 جويلة من السنة الماضية، رغم أنه ولحد الآن لم ينجح ذهنيا في الخروج من جبة النائب العام وتقمص بذلة الوزير.

الوزير يخدم الشبكات ولا يصنع القرارات

وزير العدل في الجزائر كباقي الوزراء هو واجهة مدنية لطبيعة النظام القائمة على الأمننة والعسكرة، وهو كغيره من الوزراء يتم تعيينه من الشبكات والعصب الغالبة في الحكم، وهو لا يخضع لأية مساءلة داخل المؤسسات لأن تعيينه ليس نابعا من ثقافة المؤسسات، بل هو يخضع لمساءلة “من عينه”، ولذلك وحتى لا يتم الانحراف بالنقاش، فإن ربط منصب الوزير بشخص الوزير هو انحراف بل تضليل مكتمل الأركان، لأن شخص الوزير لا يهم، ملاكا كان ام شيطانا، لا يغير من الوضع شيئا، فشخص الوزير نتاج منظومة فاسدة قائمة على الولاء والإذعان للتعليمات، والمنظومة الفاسدة تعين وزراء يخدمون الشبكات ولا يمكنهم صنع القرارات، ولذلك فحالة بلقاسم زغماتي لا تصنع الاستثناء، فهذا الشخص اتهمه الاعلام الموالي لشبكات بوتفليقة في وقت معين عندما كان نائبا عاما بأنه من شبكات توفيق وبأن إصداره لمذكرة توقيف دولية ضد وزير الطاقة الأسبق شكيب خليل جاء بإيعاز من توفيق مدين، ولكن هذا الشخص بعد سنوات عين وزيرا للعدل في حكومة بدوي التي عينت في نهاية عهد عبد العزيز بوتفليقة كما أن ذات الشخص تم فرضه مرة أخرى كوزير للعدل في حكومة جراد تحت سلطة عبد المجيد تبون، وهو لحد الآن لم يفعل أي شيء في قضية شكيب خليل!
وقد ذهبت بعض التعاليق والتحاليل إلى أن انتقادات الحراك لزغماتي على أنها مناورة من شبكات توفيق مدين التي يقلقها زغماتي الذي تم تقليده بتاج النزاهة والشرف سمي هذا التاج بــ “المنجل”، رغم أن الجهات ذاتها التي تدافع عن زغماتي، اليوم، كانت تقول في وقت معين بأنه من رجالات توفيق مدين، وبأنه كلف للبحث في فساد رجالات بوتفليقة لإضعافه وهي الرواية التي رعاها سياسيا الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير سعداني ورعاها الإعلام المكتوب والمرئي وحتى المسموع، وهو ما يبين وجود نوع من السكيزوفرونيا لدى الكثير من النخب التي تعمل على تحريف النقاش، لأن الصورة التي بقي الجزائريون والجزائريات يحتفظون بها وهو أن قائد الأركان الراحل هو الذي صافح بحرارة وزير العدل الحالي على هامش حفل رسمي، وأوصاه بالاستمرار فيما اتفق عليه عند تعيينه وبالعمل على تلك الورقة دون هوادة ولا عودة للخلف، و24 ساعة بعد ذلك عرف مجلس قضاء وهران استخداما للقوة ضد القضاة الذي كانوا في حركة احتجاجية داخل الحرم القضائي بوهران.
ولذلك فأولوية النقاش هو استقلالية القضاء، لأن هذا الجهاز لن يستقل ببقاء زغماتي ولا بذهابه، والذين يحاولون الدعاية لشخص زغماتي أو الدعاية ضده، يتحاشون النقاش الحقيقي، وهو أن استقلالية القضاء لن تكون إلا بتغيير شامل لمنظومة الحكم، التي تضمن استقلالية القضاء، وحيث يصبح الوزير في خدمة محترفي القضاء، وتقوم بتعيينه المؤسسات ويخضع كغيره من المسؤولين كل المسؤولين – دون أي استثناء – لرقابة المؤسسات البرلمانية، كما ينصت كغيره وبكل اهتمام لانتقادات وتقارير السلطات المضادة من الاعلام إلى منظمات المجتمع المدني.

الانتقاء والانتقام وفساد النظام

يظهر تاريخ النظام الجزائري أن جهاز القضاء كان دائما محل استخدام لتصفية الحسابات السياسية بين العصب والشبكات، فالقضاء استخدم لتصفية وقمع المعارضين منذ عدة عقود، كما أن النظام كان غالبا ما يستخدم جهاز القضاء لحبس ومتابعة بعض وجوهه غير المرغوب فيها حتى يضمن تجديد نفسه وإعادة بعث الحياة في المنظومة، وفي هذا المجال الأمثلة كثيرة من عبد العزيز بوتفليقة إلى مصطفى بلوصيف… وغيرها من الوجوه، إلى عشرات كبار المسؤولين المعتقلين اليوم، فكلما شعرت السلطة بتهديد ما لكيانها وعصبها وشبكاتها وأدواتها، تقوم بالتضحية بجزء من قطيعها السياسي لتضمن استمرارية المنظومة، وغالبا ما كان القضاء أحد هذه الأدوات، ولذلك في الكثير من الأحيان يتم انتقاء الوجوه التي يكون الرأي العام ينبذها أكثر لتكون محلانتقام، وهذا أحد الأدوات الأساسية التي يعمل عليها النظام الذي انتقم من بن بلة باستخدام القضاء وانتقم من بوتفليقة باستخدم القضاء، كما ينتقم اليوم من وجوه أخرى حول جرائم أو جنح لا تهدد استمرارية النظام، فتوفيق مدين لا يتابع حول الجرائم التي ارتكبها في التسعينيات وحول دوره في فرض بوتفليقة وفي تزوير كل الانتخابات، بل يتابع في صراعات غصب وأشخاص في الشبكات تتصارع على السلطة والريع والنفوذ، ولذلك فآلية الانتقام هدفها إهانة الأشخاص وربط السياسات بالأشخاص وليس بالمنظومة.
كانت السلطة ولازالت تعمل على ممارسة الإهانة والانتقام ضد جزء من قطيعها السياسي بهدف ضمان الأهم وهو استمرارية النظام، وربط الفساد بالأشخاص هدفه تفادي الحديث عن فساد النظام، رغم أن فساد النظام هو لب المشكل لأن هذا النظام حتى وإن تم فرضه في جنة الخلد من قبل أشخاص بأخلاق الصحابة فلن ينتج إلا الفساد والاستبداد، فالجزائر الجديدة تسعى لتغيير النظام كل النظام أما تغيير الأشخاص فهو طريق خاطئ بل والنقاش حوله هو التضليل بعينه.

الجزائر في 13 فيفري 2020
تحرير وتصوير رضوان بوجمعة


Nombre de lectures : 2269
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi