يومية الجزائر
Édition du
28 March 2020

بين زمن الثورة و زمن المعارضة

محفوظ بـــدروني

(نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

25 مارس 2020

مقدمة و تمهيد:

إذا كان مقبولا أن يسمي السياسي نفسه معارضا في ظل نظام سياسي مستقر، يتم فيه التداول السلمي على السلطة و التناوب على الحكم بين الأفراد و الأحزاب و التنظيمات السياسية، من خلال انتخابات عامة، حرة و نزيهة و غير مطعون في شرعيتها، فإنّه فليس مفهوما وليس مقبولا بأي حال من الأحوال في حالة”الثورة” أن يكون المرء معارضا و ثوريا في آن واحد! و من ثم، فلا يمكن للمعارض وصف نفسه بـالثائر، كما لا يمكن للثائر وصف نفسه بـالمعارض”.. و الذي دعانا إلى الكتابة في هذا الموضوع هو استعمال هذين المصطلحين في أوضاع مختلفة تماما و سياقات متباينة، فضلا عن ما يظهر من دعوات و يطلق من مبادرات بين حين و أخر من أشخاص محسوبين على الحراك تهدف في مضمونها إلي الإنخراط في العملية السياسية التي يشرف عليها النظام القائم وتستهدف المسار الثوري الذي تبناه الحراك كمنهج لتغيير النظام القائم.

الاختلافات الجوهرية بين الثورة و المعارضة و مقتضيات كل منهما:

قبل استعراض الاختلافات الجوهرية و الفروق الأساسية بين الثورة و المعارضة يجدر بنا أن نعرّف كل من الثورة و المعارضة و ذلك على النحو التالي:

1°)- تعريف المعارضة: المعارضة هي مجموعة من أفراد أو تنظيم سياسي يختلف مع السلطة الحاكمة و يرغب في الحلول محلها. و تمارس المعارضة عملها ضمن الإطار الشرعي وضمن المؤسسات المقرة دستوريا، غير أن المعارضة قد ترفض أحيانا النظام السياسي القائم لكن لا يسمح لها هذا بالتمرد عليه و إنما تعمل على تغييره ضمن الأطر و القواعد المحددة في النظام السياسي و الإطار القانوني (الدستوري) للدولة.

2°)- تعريف الثورة: الثورة هي الخروج عن الوضع القائم و التمرد على نظام الحكم السائد و العمل على تغييرهما بوسائل غير تقليدية. فالثورة هي عملية تهدف إلى تغيير النظام السياسي في الدولة من قبل العديد من الأفراد و/أو التنظيمات السياسية عادة ما تسمى نخبة و لا ترتبط بشرعية قانونية، و يتوج ذلك بانتقال السلطة من الطبقة الحاكمة إلى الطليعة الثورية.

بناء على التعريفين السالفين لكل من الثورة و المعارضة يمكننا أن نبين و نستخلص الاختلافات الجوهرية و الفروق الأساسية بين هذين المصطلحين السياسيين فيما يلي:

1°)- من حيث الإعتراف بالنظام القائم:

 المعارضة في ظل النظام السياسي المستقر الذي تكون فيه السيادة للشعب و هو مصدر السلطات و فيه يتم التداول السلمي على السلطة هي الوجه الآخر للسلطة، أو هي السلطة المحتملة، ومن واجباتها الأساسية أن تحافظ على النظام السياسي القائم، باعتبارها جزءا لا يتجزأ منه . هناك إذا توافق بين المعارضة و السلطة الحاكمة و قوى المجتمع المدني حول شرعية نظام الحكم والمؤسسات الدستورية القائمة من حيث أنّ للشعب و الشعب وحده الحق في وضع الدستور و التشريعات، إقرار الهيئات و المؤسسات، و اختيار الرجال و السياسات.

· الثورة لا تعترف بالشرعية للسلطة الحاكمة و لا للمؤسسات القائمة و لا للمنظومة الدستورية و القانونية السائدة باعتبار أنّ النظام السياسي لا يتمتع بأي شرعية قانونية و لا مشروعية شعبية، لا سيما إذا تأسس نظام الحكم بانقلاب عسكري أو أستأثرت أقلية بالحكم  و استمرت في السيطرة على البلاد بكل أنواع القهر و الاستبداد و الفساد و استولت على مقدرات البلاد و أقصت الشعب كله من المشاركة في صنع القرار و اختيار نظامه السياسي و من يمثله في الهيئات و المؤسسات.

2°)- من حيث المقاصد و الأهداف:

المعارضة تعمل على التعريف بنفسها لجماهير الشعب و عرض برامجها المختلفة لكسب الناخبين إلى أطروحاتها وتبيان أوجه القصور و الفشل في سياسيات السلطة الحاكمة و هذا لأجل الحصول على أغلبية الهيئة الناخبة قصد الوصول إلى السلطة و ممارسة الحكم بتطبيق برامجها المختلفة و من ثم أصبح من واجباتها الأساسية أن تحافظ على النظام السياسي القائم، باعتبارها جزءا لا يتجزأ منه لأنّه يتيح لها فرصة الوصول إلى السلطة و الحكم من خلال قواعد المنافسة الإنتخابية  في إطار منظومة دستورية و قانونية مستقرة و معترف بها من الطرفين(سلطة ومعارضة). 

الثورة تسعى إلى تغيير الواقع التعيس و التمرد على الوضع البئيس الذي يعيشه الوطن و حالة الظلم التي يحياها الشعب في ظل نظام ديكتاتوري استبدادي .. و هدفها الأساسي هو إسقاط النظام القائم و استئصاله نهائيا في جميع مكوناته و أسسه و ركائزه و شخوصه، و إقامة بدلا عنه نظام ديمقراطي تعددي حقيقي يقوم على الحق و العدل و سيادة القانون و التداول الحقيقي على السلطة.. و من ثم فإنّ الثورة تهدف إلى استعادة الشرعية الشعبية التي صادرها النظام القائم باللجوء إلى العمل الثوري كوسيلة أساسية لتحقيق الأهداف السالفة الذكر.

 3°)- من حيث منهجية و طريقة العمل:

المعارضة تعتمد على ما يتيحه النظام السياسي من حقوق و ما يقرّه من حريات لكي تتواجد قانونيا، و تعمل على كسب عناصر تؤطرها، ثم تتجه إلى طرح برامج و سياسات بديلة أمام الرأي العام و التوجه إلى الشعب، لكي تنال رضاه و أصواته في الانتخابات المنظمة دوريا والتي من خلالها تتمكن من الوصول إلى السلطة.

· الثورة تعمل على اكتساب عناصر القوة و منابع القدرة و منها تجميع قوى السياسية و مختلف الفواعل  و النشطاء بغض النظر عن اختلافاتهم الأيديولوجية و قناعاتهم الفكرية و توجهاتهم السياسية لأجل الإطاحة بالنظام القائم و إحداث انقلاب في منظومة الحكم باستعمال كل الوسائل بما فيها الوسائل غير التقليدية أي تلك التي لا يقرها النظام السياسي  و الذي تعتبر غير قانونية و غير شرعية في نظر السلطة الحاكمة و هذا لأجل تحقيق انتقال سياسي حقيقي من نظام استبدادي إلى نظام حكم يسود فيه الحق و العدل و القانون.

4°)- من حيث حدود و سقف العمل:

المعارضة تعمل ضمن الأوضاع المحددة دستوريا و ضمن الحدود المقررة قانونا ومن ثمّ لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتجاوزها و إلا وقعت في المحظور و الخروج على الشرعية.. و بالتالي فإنّ المعارضة لا يمكنها أن تعمل سوى ضمن الإطار الدستوري و المنظومة القانونية السائدة و لا يمكنها أن تتمرد عليها أو تخالفها بالنظر إلى أن النظام السياسي يعطي لها الفرصة و يتيح لها إمكانية الوصول إلى السلطة و الحكم بالطرق القانونية.

الثورة لا تعترف و لا تسمح لنفسها بالعمل ضمن الأطر التي يحددها النظام القائم أو يرخص به، أو الحدود التي ترسمها السلطة الحاكمة أو التي تجود بها، لأنها سلطة غير شرعية في نظرها(الثورة) أصلا و ذلك لاقتناعها التام باستحالة تحقيق التغيير المنشود و التحول الحقيقي و استحالة التخلص من النظام الديكتاتوري الإستبدادي الشمولي ضمن الحدود التي رسمها النظام السياسي و القانوني و السقف الذي وضعته السلطة القائمة.. لذلك تعمد الثورة إلى العمل خارج المنظومة السياسية القائمة وضد الأوضاع القانونية المقررة.

5°)- من حيث أدوات و وسائل العمل:

المعارضة لا تسعي لتقويض نظام الحكم أو إسقاط السلطة الحاكمة باللجوء إلى أدوات غير دستورية و وسائل غير قانونية كالدعوة إلى الثورة ضده أو إلى الانقلاب عليه، و هذه الوسائل لا يمكن القبول بها و تمريرها بأي حال، أو التساهل مع مرتكبيها لأن ذلك يعد جريمة كبرى و خيانة عظمى تستوجب تطبيق أشد العقوبات المنصوص عليها قانونا.. فالمعارضة لا يسعها سوى استعمال الانتخابات كوسيلة وحيدة للوصول إلى السلطة و نبذ كل ما عداها من وسائل لا يقرها النظام الدستوري و لا تعترف بها المنظومة القانونية.

· الثورة تستعمل كل الوسائل التي تمكنها من إسقاط النظام القائم و كل الأدوات التي تسمح لها بالإطاحة بمنظومة الحكم القائمة.. و هذه هي الوسائل هي التي تمكنها من تغيير ميزان القوى و ترجيح الكفة لصالح قوى التغيير و الثورة، ثم المرور إلى استخلاص مقدرات الحكم و أدوات السلطة من الحكام المتسلطين و ليس باستعمال الوسائل و الأدوات التي يسمح بها النظام القائم بالنظر إلى أن أي نظام استبدادي لا يسمح أبدا بوسائل قانونية تؤدي إلى نهايته و زواله.

خلاصة و تنويه:

المعارضة في زمن الثورة هي تلك المعارضة البائسة التي لا ترى أبعد من أنفها.. إنّها معارضة غير راشدة، معارضة صنعها نظام غير رشيد، معارضة شكلية، ديكورية ترفع لواء السلطة ولا تمارس دورها إلا في الحدود التي ترسمها لها السلطة الحاكمة. فهكذا معارضة وظيفتها حماية السلطة وتجميل وجهها القبيح أمام الشعب و القوى الخارجية..إنّها المعارضة التي تتسبب بأدائها الأرعن في إطالة عمر النظام و ديمومته بإيهام الرأي العام أنه يعيش في ظل دولة ديمقراطية تكفل الحريات و تضمن الحقوق و يتحقق فيها التناوب على السلطة.

و في زمن الثورة لا يعقل أن يطلب ممثلوها من السلطة الحاكمة الترخيص لهم بممارسة نشاطات كعقد مؤتمر أو تنظيم فعاليات كما لا تقبل الثورة بالحوار مع النظام القائم أو التفاوض معه إلاّ على رحيله و تسليم السلطة لمن تقبل به (الثورة) أو القبول بحل وسط كتنظيم انتخابات من قبل هيئة حيادية لا يشارك فيها ممثلو النظام القائم و أنصاره لأنها لا تعترف به أصلا و ترفض أن يكون جزء من المنظومة السياسية لأن من كان سببا في الأزمة في نظرها لا يمكن أن يكون سببا في الحل.

بناء على كل ما سبق، نريد أن يرتفع وعي الشعب إلى المستوى المطلوب لكي تتكون لديه القناعة التامة بأنه إذا أراد أن تتغير أوضاعه نحو الأحسن، فإنّه يجب عليه أن يقوم الثورة لا أن يمارس المعارضة في ظل نظام استبدادي تسلطي، و التي بدونها لن يمكنه الخروج من النفق المظلم الذي أدخله إليه حكم العسكر الذي استولى على مفاصل الدولة و مقاليد الحكم قبل عقود عجاف على حين غفلة من الشعب.

و الحال كذلك، فإن الثورة التي ندعو إليها لا تقودها إلا قيادة راشدة، واعية، مثقفة تعي تماما الفرق بين الثورة و المعارضة و تدرك حقًا “أنّ الثورة في زمن المعارضة جريمة و أنّ المعارضة في زمن الثورة خيانة“.


Nombre de lectures : 872
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi