عبد الحميد مهري أو جسر العبور السياسي الآمن الذي تم هدمه

0
331




بشير عمري
https://alsiasi.com/

مرت بالأمس الذكرى التاسعة لرحيل آخر شيوخ السياسة من الجيل المخضرم ممن آثروا الوطن وصلحته على المصالحهم الشخصية، الأمر يتعلق بالعملاق عبد الحميد مهري، ابن الحروش بمدينة السكيكدة، الرجل الذي صارت الأحداث التي سبقت وافاته والتي تلتها تدفع باسمه إلى مسرح النقاش السياسي في الجزائر، بسبب حكمته ورؤاه وتوقعاته التي لا تفتأ تتحقق ومن خلال ذلك يتضح حجم الخراب الذي كان ممكنا تلافيه وتحاشيه فيما لو استمع إلى صوته من قبل الفاعلين “السياسيين في شأن السياسة” ما يوضح عمق أزمة الجزائر وهو أن الأزمة ليست فقط في كون السياسة لا تُحترف حتى تُحترم، بل هي تُحرف من طرف أولئك الذين يتخذونها وسيلة لبسط سيطرتهم التامة والدائمة على المؤسسات ومن ثمة ضمان سير مصالهحم الشخصية على مصائر الشعب والوطن.

كيف يمكن تناول ظاهرة عبد الحميد مهري، المجاهد، المناضل الحزبي في مرحلتي الأحادية والتعددية؟ والمفكر السياسي الذي لازم العقل متسلحا بموضوعية التاريخ؟ وما الذي خسرته الجزائر ليس بوفاته الطبيعي فتلك سنة الحياة بل بقتله سياسيا وهو حي؟ .

حين نتحدث عن شخصية وطنية مجاهدة في فترة الاحتلال الفرنسي للبلاد، ونلحقها بمسار الحضور الطويلة في دولة الاستقلال، فإن الأمر ليغدو حتما غاية في الخطورة، لما شاب الفترتين من قلاقل ومشاكل لا يزال أثرهما كبير في حاضر الجزائريين اليوم، ذلك لأن مشكل الجزائريين الكبير هو أنه أريد لهم أن لا يفهموا ماضيهم بحرية حتى يحققوا الموضوعية اللازمة في بناء واقعهم وإعادة ترتيب خراب ماضيهم، ما يعني أن خراب الماضي متواصل في العقل والحقل السياسيين وهو ما ينذر بالخطر الوشيك على وحدة الأمة ومستقبل أبنائها.

الرجل كعديد السياسيين الذين وجدوا أنفسهم عشية الاستقلال تحت رحمة أزمة انقلاب المعادلة الوطنية ووقوع السياسي رهينة الحسم العسكري، لتجنب كما قال محمد حربي “كَنْغَلة” البلاد أي نموذج الكنونغو في بداية ستينيات القرن الماضي بين بارتيس لومومبا والمرايشال موبوتو سيسيسيكو، فعاش مع السياسة والساسة الحقيقيين على هامش الثورة المحبوسة والاستقلال المصادر، إلى أن ثار الشعب على الوضع وقلب معادلة الاستقلال، بالتحول نحو تعددية، لم تكن لا ثمرة وعي ولا محل توافق بين الفاعليين الحقيين في منظومة الحكم الفعلية بالبلاد.

عهد جديد برغم نقائصه ونواقصه ونواقيس الخطر التي لم تتوقف عن الدق مذ انطلق السباق المحموم، لا على دفن الاستبداد السياسي وتعزيز الممارسة الديمقراطية بل على انتزاع السلطة ومصادرة  الانفتاح (1988/1992) كما تم مصادرة الاستقلال، وهنا ظهر الرجل قلقا على مستقبل البلاد والمسار الجديد، وهو القلق الذي لم يفهمه الاسلاميون المراهقون للسياسة حد الارهاق، في سعيهم للسيطرة على الحكم بعد سيطرتهم على الشارع اليتواق للانعتاق من قبضة منظومة دولة الاستقلال، في فهم متصدع متناقاض لمعادلة الواقع والخطاب السياسيين وقتها، أي دون معرفة تمامة بطبيعة تلكم المعادلة، لا سيما الرقم الصعب والمتخف فيها والذي يمتلك قوة سر وتسيير الأمور وشاكلة صيرورتها.

عبد الحميد مهري لم يفتأ وقتها يدعو إلى تفعيل السياسة وأدواتها المغيبين منذ صيف 1962 وعدم معادوة خطأ استعمال القوة أي قوة عسكرية أو شعبية لبلوغ السلطة، لأن ثمة من يعرف كيف يوظف العنف للانقلاب على كل تم انجازه والحصول عليه في فترة الانفتاح الضيقة، ولكن جل، إن لم يكن كل مكونات المشهد التعددي المراهق، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مرورا بالوسط (القومي/الاسلامي) لم تتمكن من إعادة تحيين (mise à jour) آلية تحليله للسياسة واتبعت النهج الأول في قراءته، بتصنيف مهري كجزء من النظام السياسي القديم، في وقت لم تعرف كيف تُعرف النظام السياسي للجزائر، وكيف كان يفكر الرجل في مشروع الانتقال السياسي وخلق نظام آخر له ينسجم وطبيعة المرحلة الجديدة أي عصر الانفتاح.

وهكذا كانت هاته الشخصية المفتاحية في التحول المأمول تُبعد عن مضمار مسار التغيير من الجهتين، من السلطة الفعلية التي كانت في الخلف تصارع بتكتيك عال ودقيق للعودة بالقوة إلى مصدر القرار وتكسير مسار الديمقراطية الشعبية الوليدة، ومن طبقة سياسية خارجة من جحور السرية إلى العلنية لا تفقه في شطرنج السياسة بقوانينه الجزائرية غير قواعد الشطرنج المتعارف والمتفق عليها في العالم أجمعين!

وإذا كان ذلك الابعاد قد خدم مصالح السلطة الفعلية، فإنه فيما اتضح وتبدى لاحقا، فقد خذل مصالح الطبقة السياسية الجديدة بما في ذلك الاسلاميين الذين كانوا أجهل من غيرهم بخصائص اللعبة ومدى قوة اتصال قصة حاضر هاته اللعبة (1989/1992) بقصة ما ضيها (1956/1962) لسبب بسيط وهو الجهل المعرفي للاسلاميين بالتاريخ الوطني وتنكرهم العقدي وإنكارهم الاعتقادي للوطنية ونركرانهم لحدود الاتماء الجغرافي (الدولة الوطنية) كقاعدة تأطير سياسي خارج أي انتماء أيديولوجي أو سياسي.

بعد الانقلاب على المسارات الديمقراطة، التعددية والانتخابية في يناير 1992، وفرار الحُزيبات والشخصيات المستقلة من معركة حماية مكتسبات عصر الانفتاح والدفاع عن  الديمقراطية الوليد، وقف عبد المهري شامخا بخبرته، بثقافة الدولة التي لم يضاهيها مثيلا، يرفض اغتصاب الارادة الشعبية مهما شابها من مشاكل، وهذا ما يعني أن الرجل كان من وقتها مؤمنا بأن المنظومة التي أخطأت صائفة 1962 بتجاوزها للسياسي ومصادرتها للاستقلال، قد أضاعت ما كان نتبق لها من صلاحيات وما عاد يليق بها أن تبقى متحكمة في رقاب الشعب بلا صلوحية تاريخية ولا صلاحية شرعية سياسية، موقف أبهر وأدهش الجميع، بما في ذلك الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد وقد عبر عن ذلك في فيديو مع المرؤخ الفرنسي بنيامين سطورة حين قال “في سانت أيجيديو سنة 1995 كانت دهشتي أكبر مما يُتصور وأنا أرى حضور عبد الحميد مهري في الاشغال” ما يعني أن حتى هذا الزعيم آيت أحمد المعروف عليه ذكاؤه النفاذ في فهم المعضلة السياسية التاريخية للجزائر، وطبيعة تفكير الفاعلين فيها، لم يكن على فهم سليم لرؤية مهري ونواياه في فترة التعددية الوليدة وقتها، لغياب التواصل والتلاقي وسيطرة الصراع على المشهد السياسي في المنابر والشوارع  في فترة (1989/1992).

موقف مهري التاريخي المتخندق مع إرادة البقاء والابقاء على المسارات الجديدة (الانتخابية، الديمقراطية والتعددية الحقة غير المفبركة) سيجعله هدف للتصفية السياسية، من قبل السلطة الانقلابية الفعلية وقتها، حيث استعملت معه كل الوسائل، لثننيه عن مواقفه الشجاعة والحكيمة، بما في ذلك الاعتداء الجسدي عليه بالمطار وهو من هو من ثقل ورصيد تاريخي ثوري، شيء لا يحدث في غير الدول اللا تاريخية أي التي لا منطق لها ولا ثقافة تاريخية لكيانها، والغريب أن الرجل تكتم عن الأمر ولم يذعه اعلاميا بقصد عدم الاساءة للبلد ككل، إلى أن نالته الضربة السياسية الأخيرة يوم الانقلاب العلمي الذي حيك وحبك ضده سنة 1996، لتبلغ البلاد وقتها ذروة العنف في حربها الاهلية الطاحنة التي امتدت لعشرية كاملة لا يزال الاختلاف في لونها حاصل في الخطابات السياسة الاعلامية بين قائل بعشرية حمراء نسبة للدم وعشرية سوداء نسبة لعمق وعنف الخراب والدمار الذي ألحقته حركة 12 يناير 1992 الخاطئة بالدولة.

ومهما قيل عن نتائج تلك الحرب، فإن أهم ما يتوجب الاشارة إليه هو أن كل ما حدث عقب انتصار قوى الانقلاب من تكسير للمسارات الحتمية التي كان يتوجب المرور عبر، لتحقيق إرادة التغيير السياسي السليم والحقيقي، والتي ظل الراحل مهري يدعو إليها ومتشبثا بها إلى آخر يوم من حياته، أكد حصافة الرجل وبعد نظره، وأنه لو استمع إليه من السذج من أصحاب النوايا السليمة والعمل العشوائي غير المدروس، لكان البلد في أرقى وضع له داخليا وخارجيا.

واليوم تمر ذكرى وفاته التاسعة، ولا شيء تحقق في البلد من شأنه أن يضعها على سكة الهدي السياسي، لأنه ببساطة نذر العقل ونضب الخيال، وبدى الجميع يتخبط في المجهول والعشوائية من سلطة ومعارضة ونخب باردة وبليدة.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici