في الفقر “الشعبي” للتيار العلماني بالجزائر

0
1605


https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

لنتفق أولا على أن المقصود بالتيار العلماني ليس بالضرورة ما نعتناه بالتيار الديمقراطي في مقالاتنا السابقة، فالتعيين والاشارة هنا إلى حالة فكرية، عقائدية وضعية تخترق الوعي الوطني لتنبسط بقوة في مسرحه السياسي كبديل عن المرجعيتين الدينية والوطنية بحسبانهما من مستهلكات دولة الاستقلال وفشل منظوماتها وشروعها السياسي، الثقافي والاجتماعي.

ومن خلال هكذا تحديد، أو تعيين يتضح نسبيا سبب انحسار هذا التيار بقائه فوقيا طافحا في مجرى النهر المجتمعي العربي عموما والجزائر على وجه أخص، ذلك لأنه صادم البنية العميقة للمجتمع لا وفق انتاج تاريخي عبر التجربة وإنما وفق نماذج نظرية للتاريخ الإنساني من خلال تجربة الآخر.

الفكر العلماني في فضاء المعرفة ليسه بالضرورة الفكر العلماني في السياسة، فهو كلما ترسخ في المعرفة سحر وجذب إليه العقول وكلما غال في السياسة كلما استحال إلى عنصر استشكال في الخطاب والممارسة، ولا أدل على ذلك من الاختلاف المرصود في تجربتي العلمانية بين المدرستين الفرنكوفونية أو الفرنسية تحديدا، والانجلوفونية في بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية، حيث يلاحظ أنه في فرنسا تستعمل العلمانية كدين في دوغمئية خطابه وحدة قدسيته، واق من المد الجارف للثقافات التي استوطنت الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، ولأسباب موضوعية متصلة بالتقاليد وبالخلفيات الاجتماعية، صارت بفعل حضورها الديموغرافي القوي، تتحول إلى مصدر تهديد للهوية الثقافية للإمبراطورية الاستعمارية (الفرنسية) بعقر دارها.

عموما هكذا نموذج علماني فرنكفوني ولأسباب تاريخية هو الذي سيتمدد في الوسط النخبي الثقافي في الجزائر، ويصبح بالتالي أداة تعبير عن خيار ومشروع جديدين للوعي الوطني والأمة، ما جعله محل نقاش واسترابة تامة داخل الحوزة النخبية ذاتها ورفض شعبي كلي لقوة انطراحه السياسي التعسفي ـ إن جاز الوصف ـ كونه لا يهتم بمسألة الاندراج والتدرج داخل الأوساط الشعبية بل يبحث دوما عن الحضور الفوقي المؤثر في طبقات سلطة القرار.

ليست المسألة العلمانية لمجتمع السياسة وسياسة المجتمع كرؤية ومشروع وليدة مرحلة الانفتاح التعددي الكبير الذي أعقب ثورة أكتوبر 1988، كما يعتقد البعض، ولا هي بالفكر الجديد الذي غزا حقل صراع السلطة والسياسية بالجزائر، بل إنها لتمتد إلى فترة ظهور الحركة الوطنية، أين لامس العقل الجزائري واستأنس بعديد المدارس الفكرية والتاريخية في أوروبا واعتنق عديد مبادئها، مكتفيا في الآن ذاته بحمل “ذاتيته” الجزائرية كأداة امتياز وتميز عن الآخر، فمعظم مثقفي الحركة الوطنية حملوا العلمانية كإطار مرجعي ثقافي معرفي لم يعبروا عنه بالقدر الكبير أو الواضح سياسيا لا في خطاب الثورة ولا في الخطاب السياسي الخاص، وهذا ما جعل التاريخ الثوري محل أسئلة عدة تتصل بهوية الثورة الجزائرية ذاتها، وخلفياتها الفكرية وهل كان لها أصلا فكر.

فعديد نقاد مؤتمر الصومام 1956 ممن عارضوا انعقاده والنتائج التي تمخض عنها، اعتبروا أن العقل العلماني هو من كان خلف هذا المؤتمر في تمرد عن الخلفية الثقافية للمجتمع، وهنا يلاحظ حضور او استحضار السياسي للفكر كاستعابة (من العيب) لحركة العقل داخل الثورة وفي سياق تطورها.

ففي ظل حالة التهميش الاجتماعي الكبير الذي عاناه الشعب لحقب عدة تحت مطرقة التجهيل والتنكيل، لم يكن وصال الفكر ممكنا حتى يمتد من “النخب” إلى العمق الشعبي، لهذا كانت فكرة الثورة كشرط عنفي “مجرد” للحصول على الاستقلال تسبق ثورة الفكر في الجزائر للحصول على وعي الاستقلال والتشبع بمعالم الذات الوطنية، لكن المشكل هو أن هذا الخيار الاستراتيجي الحتمي الطارئ سينتقل من الطارئية إلى الديمومة ويصبح مشروعا للدولة والأمة من حيث لم يمكنه ذلك.

فهكذا حتمية في تاريخ البلد المحتل المعتل سيتسبب في صراع حول السلطة لا تتصل فيه السياسة بالفكر ولا بالعقل، بل بالقوة ومنطق الغنيمة والسبق والتسابق نحوها وإليها، فانهارت كل المشاريع وذابت كل الأيديولوجيات وتجمد العقل في وعاء ما سمي بـ”الوطنية” التي حملها مشروع دولة الاستقلال حيث الوحدة الوطنية “الصلبة” المعلبة تثقل على الضمير الوطني وتحول دون تحرره.

من هنا صار الاشكال العلماني عنصر أزمة ذاتية لهذا التيار، “متغرب” عن المجتمع ومغترب بنفسه عن نفسه والمشكل هو انه لا يريد أن يبحث عن شكله في وجه مرآة مجتمعه بل في مرآة الآخر، وهذا ما عمق الشرخ بينه وبين مختلف فرقاء الأيديولوجيات المجمدة داخل علبة “الوطنية” الصلبة.

فالخلاصة هي أن التجربة العلمانية في الجزائر، شأنها شأن عديد الأفكار في مشاريع رجال السياسة والحكم، كانت في مولودها القيصري نتيجة أزمة سبق الثورة للفكر في صياغة المشروع الوطني (الثوري) ما تسبب فيما بعد في بروز هيمنة “معرفة الثورة” على حساب “ثورة المعرفة” عقب الاستقلال الذي سيعرف انحسارا لخطاب التيار العلماني عند السقف النخبي في مساحات التعبير الكتابي وصالونات كلامه خطابه الفكري البارد المناهض والمعارض وغير المواكب للمجتمع وعقله العمومي الذي كان يتطور باتجاهات أخرى يحضر فيها بقوة السياسي المُعلمن والسياسي المتدين أكثر مما يحضر العلماني المُعقلن، أو بتعبير أدق يسبق فيها السياسي المعرفي في صراع خاطئ أزلي يمضي على شكل خطين متوازيين، في تأكيد للأزمة المنطلق الثوري التأسيسي لمشروع دولة الاستقلال والسؤال الخالد عن المرجعية الفكرية (المعرفية) لثورة التحرير الوطني 1954 .

كاتب جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici