الحراك والبنيات والنيات الخاطئة في الجزائر

0
1489

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

لكون الحراك الثوري في الجزائر مثل حالة فارقة في فكر وممارسة السياسة بهذا البلد، على غرار ما حصل بعيد مؤتمر طرابلس سنة 1962، ثم أكتوبر 1988 وما أفرزه من بعديات أخرى كانتخابات 26 ديسمبر 1991 وما تلاها من تبعات 11 جانفي 1992، صار الآن مستوجبا تحليل وحلحلة المسائل والاشكالات الكبرى التي طرحها (الحراك) على العقل الوطني في مسار إعادة بنائه لوعي جديد بالذات خارج ما فرض في أدبيات خطاب السلطة في السياسة والمعرفة والتي آلت بالمجتمع الجزائري إلى اغتراب وطني طال وصار مصدر قلق للمجتمع والسلطة على حد سواء.

ومن هاته الإشكالات الكبرى المعنية بالتحليل والتساؤل، إشكالية التعدد والتنوع كعنصر مستعصى عن الوعي في مجتمع لُقن الأحادية بكونها الاتحاد والحلول القسري في شخص واحد ورؤية واحدة ومسار حزبي أحادي أوحد، فهل أفلح الحراك في تفتيت هاته البنية الصلبة الخاطئة؟ وما هي المؤشرات في ذلك؟

طبعا يظل صعبا الحديث عن تداعيات حراك شعب متألم انتفض قبل نخبه المتأملة، الغارقة في التأمل في أبراج العاج الطويلة، فالثورات والانتفاضات عبر تجارب التاريخ، ليست برامج تسطر على مكاتب منظمات وحركات من عقول مصفوفة مترفة، وإنما هي لحظة تفجر طاقة من تراكمات وعي جمعي تفرز عقلا جديدا ووعيا مرحليا قد لا يجب ما قبله ولكن ينقل المجتمع إلى مرحلة أخرى بالضرورة.

هذا “الآخر” في عنقود الذات الموحدة بالتنوع والتعدد الذي يشكل العنوان الوطني، هو ما يستشكل استيعابه وتقبله حتى ممن يسمون جزافا بالنخب، بل إن الكارثة في وعي هاته النخب بأدواتها التحليلية والتعليلية المعرفية والفلسفية، وهي تسقطها بشكل تعسفي على الظاهرة الوطنية وعبقرية الشعب في معاودة بناء حضوره في التاريخ، إذ عادة ما ينزاح المتأملون (النخب) عما ينشده المتألمون (الشعب) وهذا بعد كل زلزال يحدث بسبب تحرك صحائف وصفائح أو طبقات في الوعي الوطني، في التزام التجربة الوطنية عبر التاريخ كأساس لتصحيح ما تم فرضه على المجتمع من توجهات خاطئة في التفكير والتدبير والتسيير العام للبلد بعيد الاستقلال.

من هنا نصل إلى أن التنوع والتعدد ليس جديدا على المجتمع الجزائري، بل كان مصدر قوته في مواجهة الغزاة على مر العصور، بل إن طبيعة وهوية وجود الأمة كمفهوم تاريخي مكاني للجزائر، في مقابل وجود من حولها من نماذج (الأمة) إنما كان هذا الكفاح المستمر ضد الاستبداد والاستعباد من أي جهة كانت، مشكلة وعيا قارا وأبديا بالوجود الوطني.

فما حدث هو أن هذا العنصر “التعدد والتنوع” زُج به في قلق الوطنية الوليدة الذي تفجر بفعل الصراع الدموي والعنيف على السلطة عشية الاستقلال، حيث احتاج كل طرف عنوانا تبريريا ذرائعيا لحركته ولغرضه كي يتدثر بالقضية ويتوارى عن المصلحية والرغبة في اقتسام الغنيمة السلطة.

وهنا لا نكاد نلمس لدى المتأملين (النخب) داخل الجسد الحراكي ذلك الخطاب المتجاوز لنية التعييب والتعيير بالانتماء النوعي او التنوعي أو التعددي، عبر التأكيد على أن الحراك، بوصفه يمثل مرحلة فارقة في تاريخ جزائر التعددية، فإنه يقطع مع كل تلك الممارسات ويعترف بكل عناصر التعدد السياسي والفكري والثقافي بما يفضي إلى انبلاج أو تجلي حقيقي لهذا الوعي الوطني الجديد المنشود، وفي ظل تعطل ظهور هذا المنشود يظل النموذج القديم في الوعي معمول لملء الفراغ ذلك لأن الطبيعة لا تحتمل الفراغ !

فلا تزال بعض العناصر الحراك تتمركز في باحتها الفكرية والثقافية واللغوية، قاسية وقاصية عن الاخرين، تتعالى بأسبقيتها المزعومة في رفض الوعي الأحادي الاستقلالي الأول، وأن تلك الاسبقية تفرض على من ظهر بعدها أن يلتحق ويُلحق بها تابعا لا مساهما في إثراء فكرة بهذا الوعي الوطني الجديد!

كل ذلك يعزز من يقين العارفين بأن السلطة في الجزائر فاقت في حضورها بالوعي الوطني مستواها المادي الهيكلي المؤسساتي وصارت فكرا قائما بذاته، وبذلك يكون المجتمع بإزاء مسألة شائكة في صراعه من اجل التحرر وهي هذا الانتقال في محاولة استيعاب السلطة من كونها منظومة تدير مؤسسات إلى مؤسسة تدير منظومات وبالتالي عليها تقع كل المبادرات ومنها تبرز كل المخرجات وهو ما يفسر حالة العودة الدائمة إلى المربع الأول كلما تحرك الشارع في محطة من محطات رفضه للواقع المفروض.

وإذا أخفق العقل الحراكي في تفكيك هذه البنية التصورية بأن يضع حدا في الخطاب كما في الممارسة لمسألة الاقصاء السياسي أو الأيديولوجي أو الثقافي فإنه عنصر الثورة والتغيير فيه، سينتفي آليا وبالضرورة، على اعتبار أنه كان خلاصة اتحاد وتوحد القوى الشعبية في تصديها لصلف وطغيان النظام السابق في قيادة البلد باتجاه الهاوية النهائية التي كانت ستفضي إلى سقوط الأمة في مستنقع المجهول.

إذن فالمشكلة صارت أكثر من واضحة، لمن هو مستوعب حقا لموقع الحراك المفصلي في خارطة الوعي الوطني، فهو إذ يصحح المفاهيم التي تم تزييفها في طريق بناء المجتمع الذي تأمله العقل الوطني التأسيسي الأول، فإنه ليؤكد على أن عنصر التنوع والتعدد ليسه فقط مناطق وولايات إدارية، إنما هي مناطق لظلال الحضور الذاتي التي تنسج كلها السجاد الوطني الكبير بزخرفته البهية تفخر بها الانفس وتتأملها العقول، خارج القراءات الجبرية والقسرية المستحكمة في الوعي.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici