الشمولية السياسية القاتلة للفرد في النموذج الجزائري

0
1061

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

حكم التاريخ دوما على موت النظم الشمولية، لأنها خاطئة ومخطئة في هذا التاريخ، كونها تدعي تجسيده (التاريخ) بل وامتلاكه كحقيقة مطلقة، لكن سرعان ما يجرفها بقوة هدير وجريان نهره الازلي وينزلها أدنى المنازل بالذاكرة الإنسانية، فكل طواغيت الشمولية باعتبارها حلقة من مسلسل نموذج الاستبداد الذي لاصق ولازم قصة السلطة وصراعاتها فكرا وممارسة في التاريخ، ظلوا شواذا في النظرية والتجربة، غير أن ما هو الملاحظ وحري بالسؤال كيف لمثقفين أو نخب أن تخضع لسلطانهم بالرغبة من بعد الرهبة؟ وما الذي يجعل بعضا من هاته النخب تستمر في الحضور بفكر ونظم الشمولية في العالم ككل والعالم العربي على وجه أخص، رغم خراب النظرية والممارسة الماثلة أمام عقولهم في التجربة الوطنية؟

إذا كان الاستبداد دوما هو “فرض الرأي”، فإن الشمولية كانت هي “رفض الرؤى”، ما يعني محو الفرد من التاريخ، من الوقع وجعله عضوا ميكانيكيا يمضي وفق جهاز توجيه، ومراقبة وتوظيف ما يجرده من كل مكارم التفضيل الإنساني وأبرزها مبدأ التخيير والتسيير.

والشمولية تبدأ من الفرد لتأتي كلية على الجامعة ثم تنتهي إلى الفرد (الزعيم)، الذي يغدو بذلك قابضا على الحقيقة التاريخية بل على التاريخ نفسه ويكاد أن يُعلَن إلها مرئيا يدير ملكوت كل شيء في الرقعة التي ولد بها وورثها عن اسلافه.

وشخصيا لم يثرن مقال نهاية التاريخ لفوكو ياما أو بعض الكتابات التي تستهويها مفردات فلسفة النهايات، وهي تصك في منتوجاتها العباراتية نهاية موت التاريخ أو موت الانسان متأثرة أو مأثورة بما قاله نيتشه عن “موت الله” طالما أن التاريخ دارج في الانتهاء والقتل والموت في حكايات الشمولية السياسية التي ظهرت مع تمكن الفلسفة المادية بناصية المعرفة الشاملة!

أولم تدعي نظم الاستبداد الشمولي أن الاشتراكية هي حتمية (نهاية) تاريخية، وأن المسألة في ذلك لا تعدو أن تكون مسألة وقت ليس إلا؟

في الجزائر مثلا التي نشأ فيها العقل السياسي للحركة الوطنية في سواد فاعليه الأعظم على مبدأ اليسار بمفهومه الشمولي للحركة العمالية للوطنية وللإنسان الجماعي الذي يقتل الانسان الفردي، قُتل التاريخ في دساتير دولة الحزب الواحد بعبارة “الاشتراكية خيار لا رجعة فيه” أي قتل الفرد لصالح الجماعة، ليقف المجتمع والدولة بعدها أمام موتهما معا في خراب العشرية السوداء المظلمة !

التاريخ هو مسئولية وظيفية للإنسان، والمسئولية تبدأ وتنتهي عند الفردية، ما يعني أن التاريخ هو الفرد أولا، هو الانسان، طالما أن هذا الانسان بتعريف ابستيمولوجي يعني الموقف، الرأي والرؤية.

وحين يُقتل “الانسان الموقف” إنسان “الرؤية والرأي” تختل المسارات ويتزلزل التاريخ ويستمر في ارتداداته الزلزالية كل مرة، ولا يكاد يستقر على بر، وهو ما يحصل مع هذه المجتمعات التي تعيش الشمولية بأشكال مختلفة، السياسية الثقافية والمالية العصاباتية.

المؤسف هنا هو أن يظل خراب تلك الزلازل ماثلا أمام العام قبل الخاص، أمام العادي قبل النخبي الجاهل قبل الأمي، ومع ذلك نجد من ينخرط في مشاريع ومخططات وخطابات الشمولية الحاكمة بشكل ظهار أو متخف، من بعض من يسمون بالادمغة، أو المثقفين أو النخب، المزدرين للفرد ليس لكونه فردا مجردا، بل لكونه كذلك في مجتمع لا يحقق لهم تطلعاتهم الثقافية والمادية أي احتقرا للفرد كانتقام من المجتمع.

وينسى أو يتناسى مثل هؤلاء “الادمغة” أو المثقفين أن الشمولية لن تشملهم بشكل مائز عن المجتمع بالمرة، بل هي أداة استغلالهم في سلم التحكم في المجتمع ككل والأمر لا يزيد عن ذلك في شيء .

أذكر هنا لما جيء ببوتفليقة إلى الحكم في أولى سنوات تربعه على “العرش الجمهوري” وقتها كان المتثاقفون والمتفاكرون والمتناظرون جد مستأنسين بسجال قانون الاسرة وضرورة أن يُستمد أو لا يستمد من الشريعة الإسلامية، فطلب بوتفليقة بالإتيان بنص مشروع القانون إلى مجلس الوزراء للحسم فيه، وفي فصل متعلق بضرورة استشارة أهل المرأة لتزويجها اعترض من يحمل لواء “الاستنارة العلمانية” على هذا الشرط وساجل في ذلك الإسلاموي الذي كان يقاسمه ذات الطاولة، المتشبث بوجب الاستشارة، فقاطعهما “الزعيم” هل في القرآن ما يوجب الاستشارة، فنادى الاسلاموي مجيبا بمنطوق الآية “وانكحهن بإذن أهلهن” فضرب الزعيم الطويلة براحة يده، إذن ألزموا في النص القانوني بضرورة استئذان أهل الزوجة” وقضي الأمر وخسر هنالك “الدماغ” والتفكير “المستنير” بعد أن رفض حق الفرد لصالح حق المجتمع سياسيا وانخرط في المشروع الشمولي .

  .

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici