مشروع تبون للّم الشمل: سحابة لم تُمطر!

0
459

رشيد زياني شريف

مرّت السحابة، فأنى لها أن تمطر؟ !

أول من تطرق إلى مشروع تبون للّم الشمل، كانت برقية وكالة الأنباء الجزائرية، تبعتها الكثير من التصريحات والتحليلات والتعليقات، تُهَلِل وتبارك وتبشر بعهد جدد، عنوانه “اليد الممدودة” التي لن تستثني أي جزائري، انطلاقا من “الرغبة في بناء جزائر جديدة رحبة”. انتظر “المتفائلون” بحماس وتلهف، مرور الاحتفال بالذكرى الستين لاستقلال الجزائر، لتُنفِذ الجزائر الجديدة وعودها التي لخصتها برقية رئاسة الحكومة وقالت إن “الجزائر، بشعبها البطل والموّحد بكل تنوّعه، بحاجة إلى جميع أبنائها للاحتفال سويا بالذكرى الستين للاستقلال”.  وورد في تلك البرقية، التي دشنت رسميا حملة الترويج للمبادرة، أن “الجزائر الجديدة (شعار أطلقه تبون على مرحلته) يدها ممدودة للجميع”. ودعتْ “الذين لم ينخرطوا في المسعى أو الذين يشعرون بالتهميش”، للانخراط في “الجزائر الجديدة” التي “تفتح لهم ذراعيها من أجل صفحة جديدة”، مع تأكيدها على أن “كلمة إقصاء لا وجود لها في قاموس رئيس الجمهورية الذي يسخّر كل حكمته للّم شمل الأشخاص والأطراف التي لم تكن تتفق في الماضي”. هذه التصريحات الواعدة أمَدَت كل مَن وثق في مشروع الجزائر الجديدة، بالحجة والمبررات للترويج لهذا ‘الصرح الجبار’، وحثِ غيرهم على الالتحاق بهم، والمساهمة في الخير العميم الذي ينتظر البلد، في ظل مصالحة حقيقية جامعة، والإفراج عن كل المظلومين، من حراكيين وخاصة معتقلي التسعينات.

مرتْ الأيام وطال الانتظار وانفضت مهرجانات الاحتفال بالذكرى الستين، لتتكشف السماء التي اشرأبت إليها الأعناق، مكفهرة، بعد أن تبددت السحب، خاصة بعد إصدار بيان مجلس الوزراء، أمر فيه تبون بـ “إعادة النظر في مشروع قانون لمّ الشمل وحصر الفئة المستفيدة منه فيما تبقى من الأفراد الذين سلموا أنفسهم، بعد انقضاء آجال قانون الوئام المدني”، أي بالمختصر المفيد، لا إفراج عن معتقلي الحراك ولا عن معتقلي التسعينات، وأن المعنيين فقط هم أعضاء “الجماعات الإرهابية” الذين كانوا في الجبال وسلموا أنفسهم بعد قانوني الوئام المدني لسنة 2001 والمصالحة الوطنية لسنة 2005.

ولوحِظ في السياق ذاته، أن بيان مجلس الوزراء الذي قدم تفاصيل إضافية عن مشروع قانون لمّ الشمل، لم يشر البتة إلى إمكانية “العفو” عن معارضي الخارج، أي الفئة التي جرى الحديث عنها في سياق تلكم المبادرة. دعوة تبون لمراجعة مشروع القانون، أحدثت في نفوس المتفائلين نوعا من الصدمة والانتكاسة، وجعلت الكثير منهم يتسألون ماذا جرى، في المقابل، عززت ما أكده البعض، وحذروا منه، من مغبة توظيف هذه الورقة، ومقايضة الإفراج عن عشرات المعتقلين ظلما وتعسفا، بالانضمام إلى خريطة طريق العصابة الحاكمة، وإلزامية التخلي عن مطالب الشعب الجزائري، في التغيير الجذري السلمي. وأكد هذا التراجع من السلطة، أيضا الشكوك التي حامت حول المشروع من أصله، باعتباره مجرد مناورة أخرى، تهربا من واجب المعالجة الجادة والعميقة للأزمة السياسية، ومعضلة الشرعية، بمشاركة الجميع.

والسؤال المطروح، بماذا يُمْكِن تفسير تغيير لغة تبون (السلطة الفعلية) ونكوصه عن وعوده؟

هل وقع هذا التغيير، لأن ورقة “لمّ لشمل” التي أراد استثمارها، قد وُلِدت ميتة ولم تفلح في رشوة أصحاب القضية الذين وضعوا مصير الجزائر وسلامته قبل مصيرهم وسلامتهم الشخصية ولم يتمكن من استدراج سوى القلة القليلة ممن عوّل عليهم تبون؟

أم لأن أجنحة العصابة المتناحرة، فشلت في التوّصل رأي موّحد بهذا الشأن، فتم التراجع عن المشروع، بحكم غلبة وهيمنة الاستئصاليين في السلطة الذين ما زالوا يرفضون أي إفراج عن ضحايا التسعينات ومعتقلي الحراك الذين هزوا عرشهم وكادوا يقضون عليهم؟ أم لأسباب أخرى تظل مجهولة؟

بصرف النظر عن السبب الذي أدى إلى هذا التراجع، فليس من العجب ولا المفاجأة أن يحدث ما حدث، وما كان لهذا المشروع أن يتحقق في غياب تحقيق شروطه الموضوعية، أو كما يقول المثل، لا يستوي الظل والعود أعوج، لأن الوئام ولّم الشمل والمصالحة الحقيقية، لا يمكنها أن تتم في ظل نظام يقهر شعبه ويذله ويقصيه من أي قرار من قرارات البلاد. وكل التجارب البشرية والخبراء في مجال تسوية النزاعات، يؤكدون على أن المصالحة بمعناها الحقيقي تخضع لتسلسل منطقي، الذي يقتضي معالجة آثار النزاع والأزمة بعد معالجة أسبابها السياسية، وأن المصالحة الحقيقية تتبع حل النزاع ولا تسبقه، وهذه التجارب البشرية تؤكد لنا أن المصالحة الحقيقية، التي يمكنها أن تنطلق أثناء مرحلة الانتقال الديمقراطي أو بعد ذلك مباشرة، قادرة على تهيئة الظروف وتعبيد الطريق لنقاش سلمي هادئ، يتطرق للأوضاع التي آلت إليها البلاد (خاصة محنة التسعينيات). ومن العناصر التي تعزز نجاح المصالحة، إدماج أبعاد الحقيقة والعدالة والاحترام، مع استخدام الأدوات الناجعة، على غرار الاعتذارات العلنية الرسمية، وتشكيل لجنة الحقيقة، والعفو، والمحاكمات، والتعويضات، وإعادة دفن المختفين قسرا، واستعادة الذكريات. التطرق إلى فواجع الماضي، بصراحة وشفافية ومسؤولية، بحيث يكون الحديث عنها مقبولاً لدى الأغلبية من الناس، يمر حتما بهذه المراحل، وليس هناك طريقا آخرا لاستعادة ذاكرة جماعية مشتركة، تُحَصِن المجتمع من تكرار المأساة مرة أخرى.

خلاصة القول، مشروع لمّ الشمل، وقبله المصالحة والوئام، وُلِدوا أمواتا، لسبب بسيط، لأن مواتا، العقلية الاستئصالية التي لا تزال هي المتحكمة، هي عقلية فاشية، تحمل في تسلسل حمضها النووي، نزعة إلغاء الآخر، والقضاء عليه جسديًا، وما يميز استئصالية الطغمة العسكرية عندنا، أنها تشن حربا شرسة ضد كل فكر وروح للمقاومة، ولا تقبل بأقل من السيطرة التامة على المجتمع الجزائري وترويضه، وهي لا تحارب “الإسلام الراديكالي” كما تزعم لتبرير جرائمها، بل تحارب كل معارضة حقيقية مستقلة، مهما كانت أفكارها وتوجهاتها الأيديولوجية؛ ألم تحارب زعيم جبهة القوى الاشتراكية حسين أيت أحمد ولاحقته بتهمة الإرهاب، ولم ينج بجلده إلا بعد فراره خارج الوطن حيث ظل منفيا؟ ونفس الشيء بالنسبة لبوضياف قبل أن تستدرجه وتقضي عليه على المباشر بعد استنفاد المهمة التي جيء بسببها؟ الاستئصاليون المتحكمون لا يعرفون للمصالحة ولمّ الشمل رائحة ولا طعما، أيديولوجيتهم الوحيدة هي الاستفراد بالسلطة والهيمنة الكاملة على ثروة الجزائر، ولا يقبلون أن يشاركهم أحد، ودأبوا على التصرف وكأنهم الأسياد بلا منازع، يتحكمون في رقاب الناس، وبيدهم الحق في الحياة والموت لأي شخص أو مجموعة اجتماعية تعارضهم، ولا يقبلون في محيطهم ودواليبهم سوى الذين انصهروا في مخططهم من المنتفعين، لذين ربطوا مصيرهم بمصير كبار جنرالات النفوذ.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici