سيادات قومية و”حكايا” قُطرية في واقع الصراع الحضاري والدولي

0
1148

بشير عمري

كلما تأملت في وجه الصراع الدولي الحالي الذي تتفجر بقعه المحمومة في كل مرة في مكان ما، مرة في أوكرانيا، مرة في النيجر، وحاليا في غزة، أجدني مشدودا إلى تلك السمة الحضارية للأطراف المتصارعة أو المشكلة والمشاركة في مشهده، أطراف لها وزن في تاريخ تشكل هذا العالم المضطرب والمضطرم بنيران الصراع ولا يكاد يعثر له على مرتكز مرجعي كما تؤكد النظرية الواقعية يقلبه من الصراع إلى التعاون. وأغرب ما يتجلى في ملمح هذا السباق المحموم نحو بسط السيطرة الكونية، هو الغياب الكبير للحضارة الاسلامية رغم ما وعد به أهلها منذ ثلاثة عقود مضت وتحديداـ عُقبى اندحار الشيوعية كلاعب أيديولوجي في التاريخ عبر خطاب الصحوة التي سبقت ربيع العرب الثوري، وقبلها بزهاء قرن بالنهضة، فلا نهضة صحت ولا صحوة نهضت بآمال الشعوب.

فما الذي يعوق الإسلام من أن يحضر في مأدبة الصراع وهو الممتلك لكل مصادر القوة البشرية والطبيعية والارث التاريخي والحزام الجغرافي الذي يربط أسفل الأرض بأعلاها؟

لم يخطئ بعض المفكرين كثيرا وهو يتنبؤون بقرب تحول العالم إلى صراع أقوام وقوميات ذوات مرجعيات وإراث في الحضارة البشرية، حتى وإن وقع بعضهم في زلل التصنيف الصلب الذي يعيد باضرورة أصول وقصص الصراعات القديمة بكل محتوياتها وأدواتها ومستويات عداواتها كصامويل هنتيغتون في مقولته الخطيرة التي عنون بها كتابه الشهير “صدام الحضارات وإعادة تشكل النظام العالمي”، والمشهد اليوم يبرز بجلاء أن الاقدمين قادمون من جديد والسذج في السؤال هم من يتساءل اليوم عمن بعثهم من مرقدهم  القديم، حتى غدوا ارقاما صعبة في معادلات الصراع الدولي المحموم والمحمل بكل التهديدات والمخاطر.

وبالصرف النظر عما إذا كان سبب هذا الارتداد الى الزخم الحضاري للقوميات القديمة ناجم عن حالة النفاذ في الرؤى النموذجية للتاريخ للقوى المعاصرة المسيطرة والذي سبق للشهيد سيد قطب أن أشار إليه في ظلاله القرآنية الخالدة وهو يصف واقع المنظومة المادية الغربية وهي ماثلة بعجز رهيب أمام الحاجة الإنسانية للحقيقة وللفكر المرجعي، بأنها لم تعد تملك من أوهامها ما تعطيه للبشرية من حلول لهمومها، أو إلى إرادة في البحث عن إيجاد عنصر للتميز داخل النسق المادي للصراع الدولي، فإن الواضح في الأمر هو أن العالم يحيا اليوم حالة من الانطواءات القومية على الذات عبر استدعاء براديغمي لمختلف عناصر التشكل القومي عبر تاريخها.

فالصين التي تكاد أشبه ما تكون بمحتوى وشكل وجودها في التاريخ والجغرافيا بكبد العالم، عادت بحكمتها السياسية القديمة القائمة على الصبر وعدم التعجل، صارت اليوم ليس فقط تتقفى فراغات الأسواق الهامشية التي أغفلها الغرب وهو ينهي بكبرياء وغرور التاريخ حسب المقولة الفوكيامية، بل وتطأ بقوة ووزن أقدامها الفيلية موضع تلك الفراغات، وروسيا، لا تريد بعقيدة قوتها العسكرية أن يُلقى ميراثها الخالد في دحر النازية وهي حية تسعى وتتلقف كل ما يقف امام جرافتها العسكرية من حواضر دول الغرب، فها هي ذي تفرض بترسانتها النووية حضورها في المعترك.

في حين عندما نأتي على الإسلام فلا نكاد نعثر له على ظل بأرض المعركة، رغم أن ترابه بما حواه من فوقه ومن تحته يشكل أحد أهم أدوات الصراع الدولي اليوم، والسبب واضح ولا يحتاج إلى ضجيج تحليلي واسع، طالما أن الامر يتعلق بذلك المسلم المعقول غائب ومغيب عن التاريخ.

وإيران التي قد يحاجج بها البعض، ليست في حقيقة الامر سوى ذلك الاشتغال الذكي في معاودة تشكل ذات الفارسية على مخزونها الحضاري القديم، ويستعمل الإسلام (الشيعي) كأداة من جملة الأدوات المحركة لاستراتيجيته في الانبعاث القومي والحضور في باحة الصراع، لكن الثقل التاريخي للفرس وحنكتهم السياسية المستمرة وغنى ماضيهم الحضاري يمنحهم قيمة مضافة في بسط السيادة القومية كعنصر حيوي في خوض صراعات التاريخ الكبرى، شأنهم في ذلك شأن تركيا ذات الريادة السنية اليوم، فهي تروم فرض الذات داخل معتصر الصراع الدولي بسماته الحضارية القديمة المتجددة متسلحة في ذلك بشرعيتها التراثية العثمانية وقبلها البيزنطية حتى، وبحضورها الجغرافي الفارق الجاثم على المفصل الجامع بين أسيا وأوروبا وافريقيا على الساحل المتوسطي.

والمتضح مما تقدم أن تلك الأقوام ذات الميراث الحضاري والتاريخي الكبير في الحضارة البشرية، حتى وإن فقدت في أحقاب ما من التاريخ هيبتها وسيادتها إلا أنها ما لبثت أن استعادتها مجددا وبها تبني مشروعها القومي ومشروعيتها في التواجد على مائدة الصراع اليوم.

على العكس من تلك الاقوام، يظل العرب بقدمائهم ومحدثيهم أدوات اللعبة الاستراتيجية وليس لاعبين فيها، فلا مصر القديمة والكبيرة ولا العراق الذي الحق مجددا بالرعاية الفارسية الإيرانية ولا سوريا القائمة بالدور الروسي في المنطقة ولا السعودية المنوطة بفرض الارادة الامريكية بالمنطقة دون الحديث عن المغرب العربي المسجون في قضاياه واشكالاته، بقادرين على أي معاودة للتموضع القومي في صراع الحضارة أو حضارة الصراع.

فالفشل العربي والإسلامي واضح في عدم القدرة بناء ذات غير متعدية للماضي كما يهفوا اليه حداثيو العرب ولا مستعدية للحاضر كما يهرف به اسلاميوها أو أصوليوها، وهذا بسبب فقدان السيادة الناجم عن فقدان القدرة على بناء مشاريع قومية موضوعية غير ذات القناعات والنظريات الصلبة أو المتصلبة التي تنزع للنسقية المغلقة.

إن استدعاء أي ذاكرة من ماضي الحضارة ونشود الريادة فيها إنما يقتضي التفكير في استعادة السيادة على النطاق القومي بكل محتوياته ومضامينه وحدوده، وعندما تبرر الحماس لجوئها إلى إيران طلبا لدعم يقول المفكر الاستراتيجي الكويتي عبد الله النفيسي أنه يصل إلى 45 مليون دولار شهريا ! بغياب الإرادة لدي العرب في دعم المقامة، غياب سببه فقدان السيادة على القرار القومي والوطني لهاته الكيانات التي تسمى دولا!

  فالفرس بدعمهم لحماس بذلك المبلغ المهول وبمثله أو يفوق لحزب الله دون نسيان الحوثيين وكل المجموعات الشيعية والتشييعية المسلح مها والمنزوع السلاح، يؤكدون فعلا بأنهم قوة إقليمية تقاوم بكل ما تملك من مقومات مخاطر احتواء الكبار، وتفجر ما يرغب هؤلاء في تفجيره من تناقضات خارج حدودها القومية والوطنية (في العراق، في سوريا، لبنان، اليمن، البحرين وغزة..) وهم بثقلهم الديمغرافي وتراثهم وثرواتهم وطبيعة مجتمعهم يشكلون سوقا مهمة وفارقة لقادة أمم الصراع لكن بسيادتهم على قرراهم القومي والوطني كانوا فاعلين غير مفعول بهم على رقعة الشطرنج الدولي اليوم، هذي هي السيادة وهذي هيا الريادة الاقليمية وعدمها مجرد حكي على قول عبد النفيسي.        ،  .

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici