يومية الجزائر
Édition du
12 November 2019

عن أزمة الفراغ المرحلي في مسار الانتقال السياسي بالجزائر

بشير عمري
https://22arabi.com

الجزائر
 عن أزمة الفراغ المرحلي في مسار الانتقال السياسي بالجزائر

ما وراء ظاهر الأزمة الكبرى التي تجتازها الجزائر، أي أزمة انتخاب رئيس وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، تستقر الأسباب التاريخية التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار التام بعد قرابة الست عقود من الاستقلال السيادي عن الاستعمار ودخول البلاد أزمة شرعية سلطة هي الأقدم في تاريخ الوطنيات الجديدة بعد نهاية موجة الاستعمار منتصف القرن الماضي.

فالجماعة التي تمردت على مواثيق مشروع دولة الاستقلال بعد مغادرة الجيش الفرنسي للوطن، بداعي وضع حد للفوضى والحرب الأهلية التي كانت تتهدد الوطن الفتي وقتها، ونعني بها قيادة أركان جيش التحرير الوطني وقتذاك، لم تكن تعلم أنها ببادرتها تلك قد وضعت مسار التوجه الوطني على سكة الخطأ وسار قطار البناء السياسي والتنموي للبلاد صوب المجهول الذي يتواجد الجزائريون حاليا في إحدى أخطر مراحله وهو ما يتعلق أساسا بطبيعة الانتقال السياسي الذي صارت تحتمه تقلبات التاريخ.

في محاضرة له بسويسرا، أرجع السوسيولوجي والأستاذ بجامعة ليون الفرنسية الهواري عدي أزمة النظام السياسي في الجزائر إلى ففدان هذا الأخير مشروع وطني حقيقي وواضح، مشددا بالأساس على مسألة غياب القائد السياسي داخل المؤسسة العسكرية بوصفها نواة النظام الصلبة مذ تأسس بالعنف صائفة 1962 عبر انقلاب جماعة وجدة (قيادة أركان جيش التحرير الوطني وقتها) على الشرعية التي مثلتها الحكومة المؤقتة، وحسب الهواري عدي إن القائد السياسي الوحيد الذي حقق هاته الصفة وبسط بإرادته داخل القوات المسلحة كان هواري بومدين، ومن يومها صارت لعبة التوازنات بين قيادات الوحدات هي من تضمن وحدة الجيش لا غير، هكذا تحليل يضعنا أمام حقيقة الأزمة التاريخية ذات الطابع العضوي التي اعتلت الحالة الوطنية وحالت دون قدرتها على الإبداع السياسي باتجاه تجاوز المآزق الظرفية التي كانت تعترض سبيل استمرارها روحا وعملا.

فالبعدان اللذان أشار إليهما الأستاذ الهواري عدي بوصفهما محور أزمة النظام وهما غياب القائد السياسي للقوات المسلحة باعتبارها الحاكم الفعلي للبلد منذ الاستقلال، وغياب المشروع الوطني لهذا النظام، نحسبهما أساس عضال الأمة، وفي الوقت نفسه، أساس الحل إذا ما تعمقنا في سيرورتهما مذ تركبت قواعد اللعبة السياسية بعد الاستقلال وصيرورتهما للحظة المنغلقة الخانقة للمجتمع اليوم.
فإذا كان الأستاذ الهواري عدي قد اعتبر بومدين القائد الوحيد الذي حمل مشروعا وطنيا للبلاد من خلال ثوراته الثلاث الصناعية، الزراعية والثقافية على علات هذا المشروع كما أوضح، فأنه من سبقه (أحمد بن بلة) ومن جاؤوا بعده لم يكن لهم من مشروع سوى ضمان بقاء النظام وإطالة عمره، وذلك على حساب كل رهانات الأمة والاستحقاقات التي تنتظرها في صراع التاريخ، خلاصة الأستاذ عدي تلك تضعنا أمام حقيقة أن النظام السياسي في جزائر ما بعد بومدين، لم يحمل مشروعا للحكم بل مبررا للبقاء فيه، والمبرر كان دائما الوحدة الوطنية التي يرتجع ويتمرجع إليها بوصفها إنجازه الأبرز بعد الاستقلال حيث كانت الحرب الأهلية تتهدد البلد، كما يؤثر ويكثر أنصاره من ذكره في الوقت الذي يفند المعارضون ذلك ويؤكدون على أنه إذا ما كانت فعلا من تهديدات بنشوب حرب أهلية فإنما كان هذا النظام هو المتسبب فيها بدخوله العنيف للبلاد من خلال جيش الحدود من وجدة بالمغرب وغردامو بتونس للاستيلاء بالقوة على السلطة التي مثلت شرعيتها إذ ذاك الحكومة المؤقتة، ومضى النظام عبر منابره الدعائية طيلة فترة الأحادية يسوق لهذا الانجاز ليترسخ في عقول الأجيال أنه كان هبة من السماء للجزائريين ليحقن دماءهم ويضمن وحدتهم وأي تفكير في بديل عنه سيعني بالضرورة الانحدار مجددا إلى الحرب الأهلية والفوضى.

هكذا تحجيم للحالة الوطنية المتطورة بتطور العقل السياسي لمختلف الأجيال، جعل الحاجة إلى التغيير على صعيدي الخطاب والمشروع والبرامج أكثر من ملحة في حقول الأمة السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما لم يملك النظام أن يعطيه، لأنه بلا مشروعيته التي اعتورته، ولا مشاريعيته التي واكبته لم يتمكن من إفراز فكر وطني لما بعد المرحلة الكولونيالية، وبالتالي عجز عن إنتاج نخب قادرة على تقديم الأجوبة الكبرى على الأسئلة التي كان العقل الوطني الجديد للأجيال المتلاحقة يطرحها بخصوص المسائل المتصلة بالوجود الوطني، الهوية، الشرعية والآفاق ساعتها صارت القطيعة تلوح وتتعاظم بين المجتمع وجماعة أفلست على كل المستويات بعدما حكمت بالقوة إلى أن استحالت تلكم القطيعة إلى صدامات دامية عبر محطات عديدة كان أبرزها الحرب الأهلية التي عرفت بالعشرية السوداء.

ويتضح من خلال ما سبق أن الأجيال الجديدة تروم اليوم تمدين “المسألة الوطنية” بحيث لا تظل مقترنة في الوعي فقط بالحالة العسكرية وعنف التحرير الذي كانت تشترطه اللحظة الكولونيالية، هذا التمدين يعني آليا تقويض التراث السياسي للعسكر فضلا عن الإشارة إلى نزع الغنيمة التحررية منه وهو ما لا يقبله العسكر، وإلا كما أشار الهواري عدي ما كان “للعسكريين أن يضيعوا فرصة انتفاضة 05 أكتوبر 1988 ليسلموا السلطة للشعب مثلما فعلت بعدهم بعام نظم أوروبا الشرقية التي انتقلت بسلاسة للديمقراطية بعد تنازل الجيش والبوليس السياسي عن سلطانهم للمدنيين والقوى السياسية التي عاشت منذ الحرب العالمية الثانية في أقبية البطش الاستخباراتي، في حين استمسك العسكر الجزائري بها، بل وبشكل أشرس من ذي قبل في اتجاه معاكس للتاريخ وتغيراته السياسية والجيوسياسية آخذا معه البلد لمسلسل من الأزمات آخر حلاقته هو ما يعيشه اليوم من انهيار مؤسساتي غير مسبوق، وهنا يبرز عمق معضلة الصراع بين العسكري والمدني أو العسكري والسياسي في نهضة الوطنية الجزائرية، إذ ورغم مرور ستة عقود عن الاستقلال لا يزال الوعي الوطني يتصل بأداة العنف أكثر من اتصاله بأداة السلم والبناء وهو ما يعيق انتقال المجتمع إلى الديمقراطية سياسيا وإلى التعددية فكرا وإلى التنمية اقتصادا، فطالما لم يتحرر هذا التلازم في الشعور والوعي الوطنيين بلحظة انبلاجه العنفية التحررية الأولى، فلا يمكن الحلم بالتحول إلى جمهورية ثانية أو جديدة، ولا يمكن تحرير التاريخ الوطني بوصفه حامل أسرار هاته الحالة الوطنية.

والمعضلة الكبرى التي تداعت عن هكذا منقلب في سيرورة الإشكالية الوطني، هي أن حالة الخصام دون الانفصام الموضوعي في الوعي الوطني بين العسكري والمدني ألقت الأول إلى هامش الماضي ولكنها عجزت عن أن تقود الثاني إلى الاكتمال بسبب فراغ المشروع الوطني الذي قاد به العسكر البلاد مدة ستين سنة، فنحن نعيش اليوم مرحلة نهاية الجيل السياسي التأسيسي العسكري لكن في ظل عدم ميلاد مجتمع سياسي مدني قوي بسبب غياب أو تغييب النخب التي ناوأت النظام بسبب لا مشروعيته ولا مشاريعيته لمدة سنين تحت القمع والتهميش ورفض النظام السماح لها ببسط بدائلها بكل حرية في المجتمع.


Nombre de lectures : 2092
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi