يومية الجزائر
Édition du
12 November 2019

الاستبداد لا يعير وزنا للشعوب ولا يعترف لها بحقوق أو إرادة أو كرامة

رشيد زياني شريف

منذ الوهلة الأولى اتُهِم الحراك بالعمالة للخارج (“اليد الخارجية” ذائعة الصيت)، وأنه تنفذ مخطط الدولة العميقة، وموظف من طرف عصابة توفيق وحزب فرنسا، وكل السلسلة النمطية المعروفة للنيل من كل شريف، وها هو اليوم يُتهم بأن استمراره وتعاظمه، يتم بالمال الفاسد، كما صرح قائد الأركان في خطابه الأخير يوم الثلاثاء 15 أكتوبر، يوم خروج الطلبة في مسيراتهم المهيبة، وقبل يومين من الجمعة 35 من الحراك المبارك.

في خطاب مليء بالتهديد والوعيد، مستفز لجماهير المواطنين، بدلا من الإقرار بالمسار العبثي الذي يتجه إليه كرنفال 12/12 والطريق المسدود الذي تتشبث به خريطة طريق القايد، ورغم كل المؤشرات الدالة على هذا المأزق، خاصة بعد إصدار ثلة من الشخصيات السياسية المشهود لها بوطنيتها وغيرتها على البلاد، دون أن يكون لمعظمهم أي تصفية حسابات مع السلطة، أو طموحات شخصية في الحكم (تقدمهم في السن، تجاوز بعضهم التسعين من العمر)، ولم تكن صرختهم، انطلاقا من شعورهم بالمسؤولية، سوى مساهمة منهم للخروج من حالة الاستبداد والانسداد، إلى مرحلة تعيد الأمل للشعب وتنتشل البلاد مما يتخبط فيه من أزمات. جاء بيانهم الأخير، متميزا صادقا وأمينا، يعيد البوصلة ويوضح طبيعة الأزمة وعبثية الخريطة المفروضة من قبل الحكم الراهن، يحذرون فيه، انطلاقا من تجربتهم وقراءتهم للوضع، من مغبة عدم الإصغاء إلى صوت الضمير ومطالب الشعب، كون أن “الانتخابات الموعودة تم الفضل بها دون مشاورة حقيقية وموافقة أطراف المجتمع، بما يجعلها بوابة لتعميق الأزمة، ويعرض البلد لمخاطر تدخل شتى”، لكن، بدلا من الأخذ بنصائح أصحاب البيان وتوجهاته العامة، راح الحاكم الفعلي، غير عابئ بأحد، يكيل التهم الغليظة ضد الحراك السلمي المتواصل في أسبوعه 35.

لقد جاء خطاب قائد الأركان مخيبا للآمال حقا وكأنه موجه إلى عدو لدود، وليس إلى الشعب الذي بفضل وعيه وتضحيته، ساهم بالقدر الأكبر في الإطاحة بعصابة، كانت ستتولى إلى يومنا هذا، حكم البلاد وتتحكم في رقاب العباد، وتستمر بغطرسة واستفزاز، في عهدات متتالية (وهل ننسى أن رئيس الحكومة الحالي، جمع عندما كان وزيرا للداخلية 6 ملايين استمارة لفخامته لعهدة خامسة)، عهدة خامسة ولِمَ لا سادسة، لولا الدعم الذي استفادت منه القيادة الحالية للإطاحة به وببعض وجوه تلك العصابة، وكمْ كنا نأمل أن تستند هذه القيادة على حراك الجماهير وتدخره طاقة وفرصة، لإعادة السيادة الكاملة إلى صاحب السيادة، ودخول التاريخ من بابه الأوسع، بدلا من المراوحة والمماطلة وحيل تلبيس إبليس.

هذا الحكم من قيادة الأركان على الحراك، سببه رفض الجماهير الوقوع في فخ وسراب الحلول الجزئية، والانخداع بعمليات التجميل التي تحافظ على أسس منظومة الفساد وجذوره، ولم تقبل بتنحية فروع الفساد وترك منظومته، مما فتح عليها أبوب نقمة السلطة الفعلية، جعلها تتحوّل إلى خصم، تسعى هذه السلطة بكل ما أتيت إلى القضاء عليه، سواء عن طريق التضليل وتشويه سمعته والافتراء عليه بل وتخوينه اتهامه بالعمالة.

ربما يتعين علينا أن نذكر بتسلسل ملفت للانتباه، فلا ننسى، أن قيادة الأركان وكافة الأجرام الدائرة حولها، لم تكن تؤمن بالحراك من أصله ولم ترتاح له منذ انطلاقه ووصفوه بكل النعوت القبيحة واتهموه بكل التهم، أقلها، التشكيك فيه وفي من يقف خلفه، واستمر الأمر كذلك طيلة أسابيع كاملة، حتى أيقنوا أن القطار قد سار ولا يبدو مستعدا للتوقف نصف الطريق، فاضطروا إلى إعادة تقييمهم التكتيكي ومراجعة حساباتهم والتصريح بأنهم “مع” الحراك من اجل مكافحة الفساد، وأنهم “يثمنون” مطالبه ويعملون على تحقيقها، لكن بعد إسقاط بعض وجوه منظومة الفساد، عسكريين ومدنيين، اعتقدوا انه باستطاعتهم إقناع الحراك بوقف المسار والرضا بما قدمته لهم القيادة الوطنية، وبعد أن خاب ظنهم أمام إصرار الحراك على تمسكه بمطالبه الجوهرية، وأنه لم ير أي تغيير جوهري، باستثناء عملية تصفية حسابات لاستنساخ نفس المنظومة، أمام هذا الإصرار، عادت القيادة إلى توزيع سلسلة تهمها بحق الحراك، تارة باتهامه رفع مطالب تعجيزية أو غير وطنية، خاصة بعد رفع شعار “دولة مدني ماشي عسكرية”، أو اتهامه باختراق صفوفه من قبل بقايا الدولة العميقة، إلى أن وصلت التهمة إلى “استعماله المال الفاسد”.

إذا أمعنا النظر نلاحظ أن المشكلة، ترتبط أساسا بطبيعة منظومة الاستبداد التي لم تؤمن يوما بقيم وقدرات الشعوب، ولطالما ازدرتها وحطت من قيمتها واعتبرتها كيانات فارغة لا تملك قدرة التغيير، ناهيك عن الكفاح من اجل استعادة سيادتها وكرامتها، ونفت عنها أهليتها (وامتلاكها أي إرادة ذاتية) لخوض الكفاح والتضحية بالمال والنفس من اجل ذلك ( لاحظوا أن في كل مرة تتحرك الجماهير، يقال أن من وراء تحركها، أطراف مشبوهة، داخلية وخارجية). هذه طبيعة المستبد وعقليته التي لا تؤمن ولا تثق في الشعوب ولا بروح التضحية، لا يفهمون الشعوب ولا يشعرون بأحاسيسها (لا آلامها ولا آمالها)، لذا يعتبرون أي حركة، لا بد أن تكون بالضرورة بتوجيه ومال فاسد، لأن المستبد لا يعرف للقيم قدرا ويعتقد انه يستطيع شراء كل شيء.

أقولها بأسف، إن مثل هذا المستبد لا يستحق ولا يجب، أن يتحكم في رقاب مثل هذا الشعب، فهذه السلطة لا يمكن أن تكون جزء من الحل، لأنها تجسد جذور الأزمة، من خلال صم أذانها وقتل كل بذور الأمل والغدر بكل المبادرات النبيلة، ويقيننا في انتصار الحق وأهله في نهاية المطاف، لأن سنن الكون والتغيير، تفرض أن النصر يكون دائما، عاجلا أو آجلا، من نصيب الحق والقيم والشعوب المكافحة.


Nombre de lectures : 2132
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi