يومية الجزائر
Édition du
20 February 2020

إذا عُرِف السبب بطل العجب

رشيد زياني شريف

كل الأنظمة المستبدة التي تفقد شرعية خيار شعوبها وثقتهم، تلجأ إلى أدوات عدة، للاستعاضة عن الشرعية المفقودة، من بينها 3 أدوات أساسية، وأكثرها قوة واستعمالا، أولها، أداة العنف واحتكار استعماله لقهر كل معارضة، ثانيها، استخدام المال لشراء ذم في الداخل، من أحزاب وجمعيات وشخصيات ووسائل إعلام وما إلى ذلك، وفي الخارج، من خلال منح الصفقات للشركات الكبرى والحكومات الأجنبية، وثالثها، توظيف مكينة الإعلام، للتهليل بإنجازات السلطة وتضليل الرأي العام. لكن للأمانة، ليس النظام المستبد وحده يلجأ إلى هذه الأدوات لاستدامة حكمه، بل هناك جهات أخرى، تحوم حولها، تستفيد هي أيضا من هذا الوضع، وربما تكون أحيانا أكثر حرصا وسعيا لإجهاض دولة القانون وإعاقة عودة سيادة الشعب وخياره الحر.

إذا تخلصنا من بريق الشعارات ورنينها، نجد في الغالب الأعم، أن كل من يرفض دولة القانون، ويتذرع بحجج مختلفة ومتنوعة، يصبو في الواقع، رغم تباين مشارب أصحابه، إلى هدف واحد، هو منع عودة الكلمة للشعب، لأن جميع هذه الأطراف تدرك، هي قبل السلطة نفسها ( صاحبة نعمتها ووجودها)، أن في إطار دولة العدل والحرية، ستنتهي المهمة الموكلة إليها وتجفف المزايا التي تحصل عليها لقاء أداء وظيفتها، وتجد نفسها تلقائيا على هامش التاريخ. هذه الأطراف، سواء كانت أحزابا أو جمعيات أو شخصيات سياسية أو ثقافية، أو مفكرين وصحفيين ونقابيين، لم ينبذهم المواطن فقط لأنهم لم يقفوا إلى صفه، بل لأنها ساهمت إلى حد كبير، بعلم منها وحماسة فائقة في التواطؤ عليه، لإبقائه مكبلا رهينة نظام مستبد، وهو ما يجعلها اشد حرصا، أكثر حتى من السلطة نفسها، على بقاء الوضع على حاله، لأن استدامة وجودها، مرهون ببقاء هذه السلطة، ومهدد بزوالها وعودة السيادة للشعب، ولهذا السبب نراها تقف، منذ اعتمادها من قبل الداخلية (وإبقائها بعد حل أو تفجير كل من رفض الانصياع للخط السلطة الفعلية)، إلى صف السلطة، مع الحرص على عدم مضايقتها بأي مطلب “مزعج” أو يثير مسؤوليتها بشأن جرائم العشرية، أو المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين (على غرار موقفها اليوم، في سكوتها عن معتقلي الحراك واعتبارهم معتقلين حق العام) أو إثارة مسألة لا قانونية معتقلات الصحراء أو الاعتراض على قرار السلطة رفض اعتماد أحزاب مستقلة فعلا، أو دعم مطالب أسر المختطفين في معرفة الحقيقة وإنفاذ العدالة. دأبت هذه الجهات، بشأن كل هذه الملفات، التستر وراء حجج واهية، تارة عدم توفر المناخ المناسب لإثارتها، وتارة أخرى حفاظا على الأمن والاستقرار وخطر تفكيك الدولة، وأحيانا أخرى، بحجة ضرورة توخي الحكمة العقلانية ورفض الراديكالية، وتفضيل العمل بهدوء من داخل “هياكل” السلطة.

بالنسبة للمنظومة الإعلامية، نظرة سريعة تثبت لنا أن هذا الجهاز، لا أتحدث فقط عن الإعلام “العمومي” الموجود أصلا للتضليل وبيع بضاعة السلطة، بل حتى الإعلام المسمى “مستقلا”، لا يخفى على أحد أنه غير متحمس بتاتا لدولة القانون، حتى ولو حاول التستر على ذلك، وتفادى التصريح به علنية، وسبب عدم تحمسه لدولة القانون واضح، لأن رؤساء المحطات الفضائية والصحف والمجلات، يعلمون أنه في ظل دولة العدل والحقوق والحرية، ستنشأ منابر إعلامية مستقلة فعلا، من صحف ومحطات إذاعية وتلفزيونية، في جو من المنافسة الشريفة، وتبرز الكفاءات الحقيقية التي لا تعتمد على رشاوى الدولة من خلال وكالة الإعلانات، مقابل أداء “المهمة”، فمثل هذا الجو، كفيل بخنق هذه المنابر التي لا يقوم بقاؤها سوى بفضل الدعم الذي تحصل عليه من الريع الذي توزعه الدولة على زبائنها لأداء مهمة “التنوير الإعلامي “المستقل”.

الشيء مثله ينطبق على أحزاب الدكاكين، التي تحرص كل الحرص على بقاء الوضع السياسي كما هو، ليخلو لها الجو والاستفادة من نظام الحصص في المجالس “المنتخبة” والأموال التي تفقد القوم العقل والضمير، وما تذريه عليهم من إغراءات، هذه المناصب سواء في المجالس المحلية أو التشريعية أو حتى الوزارات، وهي تدرك أن كل هذه المزايا والأبهة ستتلاشى في حالة عودة السيادة للشعب في ظل دولة القانون، التي تنهي احتكار ممارسة السياسة من قبل من تفرضهم الأجهزة حصريا. هذه الأحزاب، تعرف يقينا أنها لا تستمر في الوجود إلا بفضل تغييب فئات عريضة من الشعب وحرمانهم من تنظيم أنفسهم في تشكيلات سياسية تعبر عن خياراتهم وتجسد آمالهم.

هذا الوضع لا يستثني أفواج المثقفين والصحفيين والشخصيات السياسية والخبراء وجمعيات “المجتمع المدني” المنشأة في أحضان دبابات السلطة القائمة التي ترعاها وتغدق عليها من أموال الشعب، دون أن يكون لها أي شرعية أو حقيقة ميدانية ناهيك عن حمل هموم هذا المجتمع المتاجر باسمه، فكل هذه الكائنات تعلم أن نهايتاها حتمية وفورية، بمجرد نهاية دولة الاستبداد والريع، واستبدالها بدولة القانون. ما يلاحظه كل متتبع للشأن الجزائري، أن هذه الأطراف، بمختلف تشكيلاتها ومهامها ومجال اختصاصها، ورغم اختلافها المظهري بل وتعارضها الجذري فيما بينها، تلتقي عند نقطة واحدة بالغة الأهمية، العمل بكل ما تملك، على إجهاض دولة القانون، ويكفي تقفي خطواتها وتصرفاتها وخطاباتها، تصريحا وتلميحا، إزاء الحراك وأهله، ليفهم لماذا هي أشد محاربة للحراك، ووأده، ربما بحماسة وشغف أكبر حتى من رغبة السلطة نفسها. وإذا عُرِف اسبب بطل العجب.


Nombre de lectures : 1719
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi