الحراك ومعطيات الاستئناف الجديدة والمستجدة

0
2977

يظن النظام العسكري الحاكم (بجثامين) مدينة متحركة من نخب الإدارة والجامعة العقيمة أن المعطيات الجديدة والمستجدة منها التي أحاطت بالداخل كما بالخرج قد كانت بالنسبة إليه طوق نجاة ليستكمل من خلالها مرحلة الاستحمام من قذارته العصباتية واسترمامه بإعادة بناء حطامه الذي تسبب له فيه الحراك التاريخي، وأنه صار ممكنا له أن يعود إلى سابق سلوكه في مصادرة حق الشعب في الانعتاق والحرية والعبور إلى عهد جديد تستلزمه كل المعطايات المنطقية والتاريخية، وإذا ما تأكد هذا فلسوف يكون بمثابة أصدق تعبير عن إفلاس النظام وغُرف تفكيره وتدبيره، ذلك لأن لا شي من معطيات الواقع ستقبل باندراجه في مسار التاريخ الجديد وهو العاجز عن إيجاد أدوات أخرى تسمح له بهذا الاندراج نظرا لتنامي الوعي الرافض له لدى الشعب بكل شرائحه ومكوناته وهو ما عكسه الحراك المتواصل في غير الشوارع بسبب الجائحة العالمية بيد أنه مستمر في الوعي ينتظر نهاية الوباء ليعود إلى الساحات ليرسم عليها إرادته الرافضة تلك.

بيد أنه ثمة من أهل الحراك من بات يطالب بضرورة الاستعداد للعودة إلى ميادين الاحتجاج بقوة لكن وفق دراية وتوجه آخرين يأخذا في الحسبان ما استجد من معطيات وعلى ضوء تجربة الموجة الأولى للحراك التي امتدت لما يقرب من سنة كاملة.

أولى المعطيات التي صار واجبا حُسبانها في إستراتيجية الاستئناف بعد الجائحة هي ذات طابع ذاتي تتعلق بتجربة الحراك وما استطاع أن ينجزه وما استعصى عليه بلوغه لأسباب أو لأخرى.

من بين تلك المعطيات، العمومية في المطلب وعدم التمحور حول الهدف الثوري الأسمى والموحد، وهو وجوب فك الارتباط بين السياسي والعسكري حتى تغدو الثورة ذات معلم بارز ومشروع واضح وهو تحرير المدني من هيمنة وجبروت العسكري.

إذا ما نجح الحراك في تحقيق الإجماع على هذا المحور كعنوان رئيس للثورة ومحركها، فسوف لن يتمكن مطلقا من بلوغ هدف التغيير ذلك لأن النظام بنخبه الخبيثة عمد منذ عقود إلى تقسيم الشعب وفق الجزئيات المتضادة بفعل الخصوصية الجهوية أو النخبية أو القناعات الإيديولوجية وجعل الجميع يناطح الجميع وطرح نفسه كحام للوحدة وفوق تلك التناقضات وذلك التضاد، ورأينا كيف أنه حرك في أثناء الحراك ريح تلكم التناقضات من معربين ومفرنسين أمازيغ وعرب علمانيين وإسلاميين وشيئا فشيئا صارت الريبة والشك من الاخر تتسرب إلى روح الحراك.

أما عن المعطيات الموضوعية المستجدة فلأمر يتعلق بما هو جر من مسار إعادة النظام لبنيانه، وكيفية التعامل معه، إذ سيكون من الخطأ الدخول في تمشيه السياسي وهذا بالتلهي بأجندته التي يدعي فيها إصلاح منظومة الحكم وهياكل الدولة، لا سيما بعد أن ثبت بما لا يدع أدنى مجال للشك أن عبد المجيد تبون في قابع في قبضة العسكر يأتمر بأمرهم وينتهي بنهيهم، ولأدل على ذلك من تنصله من كل الوعود التي قدمها قبل الانتخابات، وحديث أعضاء لجنة صياغة الدستور من أنهم فشلوا في مهمة تصميم دستور حقيقي في ظل ما ألزموا به من توجيهات وسقوف من الجهات المسئولة، بينما يتذكر الجميع مثلا أن تبون كان قد وعد بتقليص من صلاحيات الرئيس لصالح الوزير الأول، وإذا بالصيغة تتغير ولا تتجدد أي أنها وقفت عند حد اللغة بتغيير الألفاظ دون المحتوى.

من هنا على الحراك أن لا يمضي في اتجاه ما يراد له وهو الانخراط في الكلام حول المسار الدستوري في التغيير داخل الثبات الذي يسعى إليه العسكر الذين ثبت أنهم غير مستعدين للتفريط في غنيمة الاستقلال، وبهذا سيتمكن الحراك من ضمان أسباب بقائه، متمحورا كما أشرنا كعنوان وهدف لثورته وهو فك الارتباط بين السياسي والعسكري شكلا ومضمونا.

بيد أن تجسيد هذا الاتجاه يفرض تحولا في آليات العمل الحراكي الميداني، بحيث صار لزاما أن يتخذ له رأسا مدبرة ومفكرة وليس بالضرورة قيادة عملية رسمية، كما يود الكثيرون رؤيتها، ذلك لأنه من أسباب عثرات الموجة الأولى أن الحراك أنه ظل على الصعيدين السياسي والفكري أدنى من مقتضيات المواجهة لا سيما بعد أن تمكن النظام من السيطرة على وسائل الإعلام التي واكبت الحراك في بدايته واستمال إليه نخب عامرة عقولها بحسابات إيديولوجية (البادسيين النوفمبريي) أو بحسابات سياسية (سجناء الفيس ممن مالوا للقايد صالح نكاية في توفيق ونزار ) أو حسابات متعلقة بالمصالح المادية انتفاعية (محمد لعقاب فرحات آيت علي وغيرهما) فعمل هؤلاء على استغلال غياب صوت الفكرة المحورية، المتوحدة والموضوعية (خلافا لفكرة يتنحاو قاع)  وراحو يسوقون صورا للخوف من الفراغ والمرحلة الانتقالية.

من هنا بات لزاما أن يكون للحراك خطابا أكثر موضوعية وأكثر وضوح وقاية له من سحر الشيطنة الذي تمارسه ضد نخب النظام المنبطحة المقتاتة على أوجاع الأمة منذ الاستقلال إلى اليوم.

إذن هي مرحلة جديدة متوقعة في شاكلة ومضمون الصراع بين إرادة الشعب للتحرر وإرادة نخب العسكر للبقاء نحتاج فيها أن يتجاوز فيها المثقف دور الخطيب الميداني الذي يريد أن يشحن إرادة الحراكي (المشحونة أصلا) ليرشد هاته الإرادة وهذا من خلال توضيح المبادرة الحراكية له وللنظام وللعالم عبر فكرة واحدة تتضمن تفاصيل ليس ترقى مهما حملت في طيات تفاصيلها تلك من أهمية على الفكرة الرئيسة وهي فك الارتباط العضوي والوظيفي بين السياسي والعسكري الذي سيفضي إلى بناء دولة الاستقلال المسروقة أو المصادرة.

بشرى حديب

صحفية جزائرية مقيمة بفرنسا

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici