خطاب تبون.. صورة نظام أصيب في القلب

0
203
Nadjib Belhimer

  ·  خطب عبد المجيد تبون في الجزائريين ليخبرهم بجملة من القرارات قال انه اتخذها بمناسبة الذكرى الثانية لما يسميه الحراك المبارك والأصيل ( ثم حوله في أحد مقاطع خطابه إلى حراك أصلي)، ولخص هذه القرارات في الإعلان عن حل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية لم يحدد تاريخها، كما أعلن عن تعديل حكومي خلال أربع وعشرين أو ثمان وأربعين ساعة، وأعلن قرارا بالإفراج عن معتقلين تحت مسمى « العفو » لا يعرف عددهم بالضبط فهم يتراوحون بين حوالي ثلاثين و خمسين وقد يصل عددهم إلى خمسة وستين.

أول ملاحظة على الخطاب هي أن القرارات التي تضمنها ليست ناضجة، وهذا يفرض أسئلة حقيقية حول الأسباب التي جعلت تبون يبادر بالتوجه بخطاب إلى الأمة رغم أنه لم يحسم في تاريخ إجراء الانتخابات بعد، وهو أمر، من الناحية السياسية، أهم من الإعلان عن حل البرلمان، فالمنطقي أن حل البرلمان يصبح ساري المفعول في اللحظة التي نطق فيها تبون بجملة « قررت حل البرلمان »، وليست هناك أي قراءة سياسية عقلانية لهذه الخطوة التي تأتي خارج السياق السياسي ومقطوعة بشكل كامل عن المشهد الذي يرتسم في الجزائر اليوم.كان بوسع تبون أن يعلن عن تنظيم انتخابات تشريعية مسبقة خلال فترة محددة بإعطاء تاريخ دقيق لإجرائها، أو حتى بتحديد فترة تقريبية كالقول بإجرائها في أجل ستة أشهر، أو قبل نهاية السنة مثلا، أما حل البرلمان قبل تحديد تاريخ الانتخابات فيشير بوضوح إلى أن السلطة تبحث عن الأثر السياسي المباشر للقرار على الشارع، ويعزز هذه القراءة التوقيت الذي جاء فيه الإعلان ( عشية الذكرى الثانية لانطلاق السلمية التي تحول منع التظاهر فيها إلى أولوية بالنسبة للسلطة)، ثم إن القرارات المعلنة كان قد تم تسريبها بالتفصيل إلى الصحافة قبل خمسة أيام، وهو ما يعني أنها كانت جاهزة غير أنه لم يتم إنضاجها بشكل كاف، فلا الحكومة التي أوحى تبون بعزمه على تعديلها منذ العاشر من جانفي الماضي على الأقل عندما كان مغادرا إلى ألمانيا في رحلته العلاجية الثانية، استطاع أن يفصل في أمرها، وتاريخ إجراء الانتخابات التي بقي يتحدث عنها منذ حدد تاريخها، ولا حتى قوائم المعتقلين المعنيين بقرار العفو تم ضبطها.

نحن الآن أمام صورة واضحة لعملية صناعة القرار في « الجزائر الجديدة » عملية تخضع لرد الفعل ومحاولة استباق الشارع الذي يبدي مزيدا من التململ وتتصاعد احتمالات تحركه مجددا ( مسيرة خراطة ودعوات استئناف المسيرات بمناسبة الذكرى الثانية للسلمية)، وتكشف الطريقة التي قدم بها تبون « قراراته » عن أولوية إسكات الشارع على صياغة حلول حقيقية لأزمة سياسية عميقة ومعقدة يمر بها النظام.لقد رفضت السلطة حل البرلمان طيلة الأشهر الأولى التي كان يطالب فيها ما يسميه تبون « الحراك الأصيل » بحل البرلمان لأن ذلك القرار في حينه كان يمثل خضوعا لإرادة الشارع، وهي علامة ضعف كانت السلطة ترفض أن تظهرها، لكنها اليوم تعتقد أن هذه الورقة مهمة لاستعادة الثقة لكنها تغفل الأهم وهو أن مطلب حل البرلمان يرتكز على قناعة الجزائريين بعدم شرعية هذا البرلمان لكن السلطة اختارت أن تمرر أهم القوانين بما فيها الدستور عبر هذا البرلمان، وحله اليوم هو ضرب لشرعية كل ما تم تمريره عبره منذ سقوط بوتفليقة إلى اليوم، ويلخص هذا التناقض رؤية السلطة إلى القرار السياسي باعتباره ورقة تلعب في مواجهة الشارع بدل أن يكون صياغة لحل أو استجابة لمشكلة حقيقية.

القرار الآخر هو التعديل الحكومي، ورغم عدم أهمية هذا التفصيل في نظر أغلبية الجزائريين بالنظر إلى الأداء الهزيل للحكومة التي ليست لديها أي حصيلة تقدمها بعد أكثر من سنة من تشكيلها، فإنه تحول إلى مشكلة، فتحديد الأسماء التي يجب أن ترحل يبدو أنه ليس سهلا، وهو ما يؤكد ما قيل سابقا عن تدخل ما يمكن أن نسميها « مراكز قوى » لفرض أسماء في الحكومة، وهو ما جعل الحكومة تتضخم لتضم 42 حقيبة في ظرف اقتصادي عصيب، وقد جرى الحديث عن أسماء أضيفت في اللحظة الأخيرة وسبب ذلك ارتباكا لمحمد السعيد وهو يقرأ قائمة الوزراء في الثاني من جانفي 2020.

هذه النقطة تؤكد حقيقة تشتت مراكز صناعة القرار، وهي تفسر جزئيا غموض القرارات المعلنة وعدم اكتمالها، وهو ما يجعل السلطة تبدو وكأنها لا تملك خارطة طريق واضحة أو أهداف على المدى المتوسط، لكنها في مقابل ذلك تسير الوضع بحسب المستجدات، وتخرج القرارات وفق توازناتها الداخلية وما تفضي إليه صراعات مراكز القوى.نحن الآن أمام حالة تسيير من أجل البقاء، وفي هذه الحالة تتحول الانتخابات إلى ورقة لرشوة قطاعات جديدة من المجتمع كما هو الحال بالنسبة للشباب الذين يعدهم تبون بالتكفل بحملتهم الانتخابية حتى قبل أن يتم اعتماد قانون الانتخابات، فالأهم هو إخراج الشباب من الشارع وتحويلهم إلى لعبة تتحكم فيها السلطة بأساليبها القديمة بدل توفير شروط ممارسة سياسية سليمة وحرة ضمن خطة انتقال حقيقي نحو الديمقراطية.يلخص خطاب تبون اليوم حالة الفوضى داخل السلطة، وعجز عصبها عن التوافق حتى حول المسائل الأساسية الروتينية من قبيل تعديل الحكومة ووضع قائمة إسمية للمعتقلين الذين سيشملهم قرار الإفراج تحت مسمى « العفو »، وهذا يعني أن تسيير البلد سيخضع لهذه التجاذبات في القضايا الأهم ولن يكون هناك أي مجال لبروز استراتيجية حقيقية للسلطة تتجاوز خطط تشتيت شباب السلمية، إنها سلطة تختزل مهمتها في هدم المشروع الذي تريد السلمية بناءه ولا تستطيع بناء أي شيء، وهذا هو تهالك النظام الذي يهدد استمرار الدولة.لو لم تفعل السلمية أكثر من ضرب قلب النظام بالطريقة التي وصفها لنا خطاب تبون اليوم لكان ذلك دليلا كافيا على نصرها.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici