شهوة الانتقام تغتصب الدولة

0
171

Nadjib Belhimer


على الشريط الإخباري لقناة خاصة تمر منذ ساعات معلومات تنسب إلى « مصدر » تتهم خمسة موقوفين من شباب السلمية بممارسة الشذوذ فيما بينهم، وتلقي عليهم تهما ثقيلة أخرى منها اغتصاب القاصر الذي شغلت قضيته الناس في الداخل والخارج منذ السبت الماضي عندما نقلت صفحات على فيسبوك بكاءه واتهامه لرجال الشرطة الذين اعتقلوه بالاعتداء عليه.لن أذكر اسم القناة المعنية بنشر هذه الاتهامات، فهي في النهاية أداة في يد السلطة، وأي استنكار لما يجري يجب أن يتجه إلى السلطة مباشرة وهي المعنية بالرد على الأسئلة التي تثيرها هذه الفعلة الشنيعة؛ أي مصدر هذا الذي بوسعه نشر تفاصيل تحقيق ما زال ساريا، ويقول القانون بأنه سري؟
وأين هو القضاء الذي تحدث باسمه النائب العام لمجلس قضاء الجزائر قبل أربع وعشرين وساعة وقال إن التحريات ستتواصل في هذه القضية؟ وكيف يمكن إطلاق الاتهامات تمس بشرف قاصر وبشرف موقوفين لم يعرضوا بعد على الجهات القضائية لأنهم ما زالوا محل توقيف تحت النظر؟ هذه الأسئلة كلها تطرح لأنها تتعلق باغتصاب شرف أشخاص لم توجه لهم أي تهم إلى حد الآن، وهي اعتداء صارخ على قرينة البراءة، وتجاوز صريح للقضاء، ثم هي بعد هذا كله عدوان على الدولة وإهانة لها. فالقضية لم تعد متصلة بالسياسة أو الخلاف في الرأي، بل تظهر لنا إلى أين يمكن أن تصل سلطة في حربها على السلمية، وأي أساليب يمكن أن تلجأ إليها من أجل تشويه المطالبين بالحرية المكافحين من أجل التغيير.
بالأمس فقط كان البيان الصادر عقب اجتماع المجلس الأعلى للأمن يلوح بالتطبيق الصارم للقانون على أولئك الذين اتهمهم بالمساس بمؤسسات الدولة، والإشارة هنا هي إلى الشعارات التي ترفع أو تردد في المظاهرات السلمية، لكن اليوم يأتي هذا « المصدر » المجهول باسمه، المعلوم بصفته، لأنه لا يمكن إلا أن يكون أمنيا، ليفعل عكس ما أشار إليه بيان المجلس الأعلى للأمن الذي احتمى بالقانون لحماية المؤسسات، حيث اختار « المصدر » أن يدوس على القانون للنيل من أولئك الذين يتهمهم ضمنيا بالمساس بمؤسسات الدولة، وهذه إشارة مخيفة على تهالك الدولة التي ينزل بها بعض المتحدثين باسمها، أو من يدعون الدفاع عن مؤسساتها، إلى مستوى يتجاوز في انحطاطه كل الأساليب التي استنكرتها السلطة وأبواقها وزبائنها والمتحدثون غير الرسميين باسمها من قادة أحزاب ومثقفين وصحافيين وجامعيين.
يمنح « المصدر » مزيدا من الأدلة للطرف الآخر الذي يعلن الحرب عليه، وتضرب القناة/الأداة كل جهود إضفاء « القانونية » على تصرفات أجهزة الأمن والقضاء وحتى سلطة السمعي البصري، التي خرجت من كهفها لتدلي بدلوها بخصوص قضية القاصر، في مقتل، وتلقي بالخطاب الرسمي عن أخلاقيات الصحافة وضرورة التزامها بضوابط القانون في المزبلة.الدولة لا ترد على الخصوم بأساليبهم التي تنكرها عليهم، فلا عواطف لها حتى تنفعل، في مقابل ذلك هي تلجأ إلى سلاح القانون لأنها لا يمكن أن تنحاز إلى طرف ضد آخر في المجتمع، ومن هذه الشخصية المعنوية تستمد أجهزة الأمن انضباطها ومصداقيتها حتى تتحول مقرات الأمن إلى أماكن لا يشعر فيها المواطن بالخوف أو الظلم، وفوق الجميع قضاء يسهر على حماية كرامة الإنسان حتى وهو يدان ويعاقب، لكن ما يجري اليوم يخبرنا بأن هذا ليس وضعنا، فالدولة الآن تخضع لرغبة الانتقام التي تسكن سلطة لم تجد مخرجا من مأزقها، سلطة تستغل وسائل الإعلام من أجل فرض أمر واقع فتزيد في تأجيج الرفض الشعبي لها، وتتحول هذه الأدوات الدعائية إلى خناجر تطعن الدولة بعد أن تقدم مزيدا من الأدلة على انحراف هذه السلطة.
بقي شعاع أمل ينبعث من وسط هذا الظلام يجسده الطالب معصوم الذي حمل هاتفه وحاول أن يسد، لوحده، ثغرة كبيرة تركتها وسائل الإعلام مجتمعة على كثرتها، لقد حاول أن ينقل الصوت المغيب، وبذلك كان يضيف طبقة أخرى على صورة الإعلام كما تريده السلطة، صورة شديدة القتامة لا تشرف الجزائر ولا من يحكمونها رغما عن إرادة شعبها.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici