الإسلاميون.. من معركة الهوية إلى هوية المعركة!

0
802

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

تقف اليوم تجربة الإسلام السياسي بأزمتها الوجودية، على النطاقين الذاتي والموضوعي، في مفترق طرق وعر، لا تدري أين تعبر أو أين تستقر، مشكلة بذلك عقبة لتطور مسيرتها ومسار مجتمع ككل باعتبارها تشكل رقما جديا وصعبا في معادلة التاريخ بمجتمعات عربية إسلامية تعيش أخطر مراحل تاريخ وجودها ووجودها التاريخي.

والمصيبة التي يعانيها اليوم الإسلام السياسي، وهو محتبس في الموقف التاريخي، فاقدا للبوصلة، أنه يبدو أعجز ما يكون عن تحقيق المراجعة الذاتية العقلانية أو بالأحرى المعقولة التي وحدها من يمكنه من إدراك طبيعة مآله واستدراك مساره، لكونه فقد القدرة على ضبط أولوياته ونطاق اشتغاله التي تستلزمها طبيعة اللحظة التاريخية حيث يتقلب التاريخ وتتغير فيه المفاهيم وتتعقد التطبيقات في السياسة كما في الاجتماع والاقتصاد.

ظل الإسلام السياسي مذ صرخ أول مرة خارجا من رحم أزمة الأمة، محاولا التكلم في المهد صبيا، متشبثا بالخارطة التغييرية التاريخية للإسلام المسومة بالدعوة عبر المجال المجتمعي القاعدي، في ظل ما كان ولا يزال يعتبره انحراف وجودي للهوية تسبب فيه الاستعمار ورسخته التجربة الوطنية التي تلته.

رؤية نقضية غير نقدية للتجربة الوطنية تضعه في فوهة الصدام مع التاريخ، بعدما رفض الامتثال إلى أشراطه وشروطه وأبى أن يعترف بأن التشكل الجديد للذات الإسلامية في الجغرافيا (نهاية الخلافة والنمط الامبراطوري القديم) وفي التاريخ بانحسار الهوية الدينية في سلم المعنى الوجودي المعرفي كما السياسي، فراح وفق اجتهادات قادة الوعي لديه وما استع له حظهم من الدراية والفم للتاريخ، يخبط خبط عشواء في قيادة جحافل جماهيره المستريبة من الحداثة الموشومة في سلوك وتصرفات النظم الحاكمة المدعية خطأ للتحديث، ينافح عن الهوية المفقودة يروم استردادها وصونها، مرة بالقوة ومرة بالسلم، تارة بالسياسية وتارة أخرى بالدين، يأولل (الأولوية) أحيانا الدعوة وفي أحيان غير، يستهدف الدولة، كاشفا بذلك عن غربته في التاريخ، وافتقاره للنموذج العملي الحضاري الكبير الذي يتأسس وفق أسئلة الحاضر لا إجابات الماضي المنتهية.

هكذا أزمة وجودية تفرض بثقلها مراجعة كبرى على تيار آخذ في التراجع على كل المستويات، بعدما أن ظل متوهجا في الخطاب كما في واقع الناس السياسي والاجتماعي، ستؤول به فيما بعد إلى مرحلة أخرى من غربته الوجودية، إذ تحيله إلى سؤال جديد متعلق بهوية المعركة التي بات من حيث يدري أو لا يدري، يقع في قلبها بعد أن ظل يحمل لواء معركة الهوية، هي معركة جديدة استدرج اليها كرها، ما يكشف على أنه ليس فقط عاجز عن استحضار إجابات تاريخية للواقع بل أيضا عن توليد السؤال التاريخي وبالتالي هو مجرد مفعول به وأبعد ما يكون من الفاعل.

فأي المعارك يتوجب أن يخوضها الإسلاميون العرب خصوصا اليوم؟ وهم يرون أنفسهم أعجز عن فهم التجربة الوطنية التي يحضرون فيها شكلا ويغيبون عنها مضمونا ووعيا، بحكم الايمان الخاطئ بالتاريخ الذي يحملونه، والذي كما أشرنا، تقف فيه السياسة عند الشرع بوصف الشرع أساس الهوية ومجرد تلاشيه في الخطاب أو الممارسة في المجتمع يعني لديهم تشوه في “الهوية”.

لم يتمكن الإسلاميون من الإجابة عن سؤال المعركة الجديدة التي تفرضها التحولات الكبرى الجارية في العالم اليوم، حيث يضغط الدولي على القطري والخارجي على الداخلي والكوني على الجزئي، ذلك لأنهم في محتبس تصورهم الأول للتاريخ، لا تحضر الأرقام الجديدة أو لا يتجدد حضور أرقام المعادلة الحضارية، والنتيجة نراها في الارتكاسات والانتكاسات السياسية الكبرى التي يتسببون فيها لأنفسهم ولكن الفاجعة الأطم هي ما يتسببون به لمجتمعاتهم وهي تسعى للانتقال من مرحلة إلى أخرى، والغريب في الأمر أن وهم “لاتاريخانية” مشروعهم السياسي باعتباره “رسالي” “رباني” و”سماوي” يجعلهم حتى وهم يتراجعون في المشهد الوطني” لا يعترفون بهزائمهم وما ينجم عن ذلك تعطيل لقدرات المجتمع في تحقيق التحولات التي يرنو إليها مستعملين في ذلك مقاييس ذاتية وقواميس بالية لأفكارهم التي يتداخل فيها الميتافيزيقي بالواقعي، الغيبي بشهاداتي والسماوي بالأرضي، وفق اسقاطات لا تستقيم مع منطق التاريخ والتاريخانية، كالجزم المطلق بأن المحنة هي دوما منحة، وأن التغيير هو سعي بشري فقط !  أما اتمامه أو تمامه فيقع خارج الإرادة البشرية، وهو ما يفرض أوهام نظرية “الانتظار” ويرفض همم وفكرة الثورة والانتصار، حتى إذا ازدادت ضغوطات اللحظة العولمية الكبرى وتدافعات قواها الرئيس والمتصارعة، رأينا اسلاميي المغرب يسقطون في وحل التطبيع الذي ظل رفضه على مدار قرابة قرن من ظهور الإسلامي السياسي وحركاته على رأس مشروعه، ويقبلون به غصبا عنهم باعتبارهم القوى الحاكمة وقتها في المغرب، ومن فخ التطبيع إلى فك التطويع وإعادة التشكيل الذي وقعت فيه حركة النهضة في التونس التي تكاد تغدو شيئا غير مذكور في مسار ديمقراطي ثوري نُظر إليه في الأول على كونه نموذجا فاقلع عن يكون مسارا وبات مخاضا ينذر بولادة مشوهة جديدة للتجربة التونسية التي يبدو أنها كانت أدنى من أن تصمد أمام مساعي الاحتواء الخارجي، وفي الجزائر حيث لا تطبيع ولا تطويع، فرض التضييع السياسي لكل فرص انتقال المجتمع من وعي الاقتياد إلى قيادة الوعي، حضوره، تضييع أسهم فيه إخوانيو الجزائر في حمس وأخواتها، بعدما انزاحوا عن إرادة التغيير الثوري الحراكي، باعتباره متهددا للهوية واضعين انفسهم في فخ سؤال هوية المعركة التي يفترض أنهم يخضونها اليوم !

هي إذا، أزمة كبرى تنخر هذا التيار المتغرب في نفسه وفي التاريخ، لا يعرف له هوية ولا مساق، استحال من عنصر أمل إلى مصدر ألم للمجتمعات العربية الإسلامية التي رأت فيه خطأ تجسيدا لليقين الذين يحملونه بوصفه الحقيقة والعلاج لأدواء حداثة كونية باتت مأزومة في فضاء الفكر وتحديث عربي موهوم في واقع القُطر!

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici