لماذا فشل الحراك الجزائري

0
463

محفوظ بـــدروني

(نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

19 نوفمبر2020

بعد أكثر من عامين من انطلاقه توقف الحراك كلية عبر كامل التراب الوطني. ورغم قصر مدته بالنسبة للثورات التي قامت بها الشعوب من أجل الانعتاق من نير الاستعمار ونيل الحريةوالاستقلال، فقد حقق الحراك عدة نجاحات ومكتسبات كما سجل عليه العديد من الإخفاقات والسلبيات. فالحراك الجزائري لم ينجح في تحقيق الأهداف الرئيسية التي قام من أجلها – التي تبلورت عبر الشعارات المرفوعة- والمتمثلة أساسا في الأتي:

رحيل منظومة الحكم « يتنحاوا قاع« 

استعادة السلطة والسيادة للشعب « السلطة للشعب« 

تحقيق الدولة المدنية »مدنية ماشي عسكرية« 

وجدير بالقول أنّ الحراك بهذا الأسلوب من التحرك لم يكن لينجح لعدة أسباب راجعا أساسا لبنيته ونمط سيره، أما التعويل على المؤامرات الخارجية والثورة المضادةوحملات القمعوإن كان حقيقيا وبديهيا فهذهليست الأسباب التي أدت إلى فشل الحراك والحالة الضعف التي اعترته بما يسمح لأعدائه بهزيمته وهذا ينم عن كسل في نقد الذات والبحث عن مكامن الفشل لإصلاحه إذ أنه من اليسير إلقاء اللوم في الفشل على الأخرين. فليس القمع والملاحقات ولا المحاصرةوالتضييق من كان سببا لضعف الحراك وتوقفه بل هناك أسباب راجعة أساسا إلى ضعف أداء القائمين عليه. إنّ الحراك كان انتفاضة شعبية وهبّة جماهيرية تنقصها القيادة الموحدة والرؤية المشتركةوالخطة المتفق عليها.

ففي رأي المتواضع أعتقد أن الحراك فشل للأسباب والاعتبارات التالية:

1°)- انطلاق الحراك بصورة مفاجئة دون تحضير أو تنظيم:

لقد انطلق الحراك بدعوة مجهولة المصدر من دون تنظيم وبصورة فجائية، حيث وجدنا نخب مزيفة تروج لفكرة أن الثورة تأتي فجأة وبدون تنظيمومنهم من ذهب إلى أن الحراك هو جدمنظم ولا يحتاج إلى أي عملية تنظيمية وهذا بهدف تغييب وعي الثوار وتشتيتهم وفي النهاية إحباطهم. فلم تنجح ثورة في التاريخ بدون تنظيم وامتلاك أسبابالقوة ومنابع القدرة.. فالثورة ليست فعلا فجائيا و إنّما هي فعل ممنهج ومخطط له ومبادرته بيد الثوار الذين يعدّون أسباب نجاح ثورتهم من خلال امتلاك الوعي المجتمعي، المشروع الوطني البديل، القيادات البديلة واختيار الوقت المناسب.

2°)- سقف منخفض لتطلعات القوى الداعية إليه:

كان سقف الحراك ابتداء هوإسقاط العهدة الخامسة،وعندما حصل إقالة أو استقالة الرئيس المخلوع انسحب عدد كبير من المشاركة في الفعاليات الحركية لا سيما يومي الجمعة والثلاثاء. ثم تحولت مطالب الحراك إلى المطالبة بإسقاط »الباءات الثلاث  » ثم تطورت إلى أهداف متنوعة دخلت فيهاعلى الخط مطالب فئوية وهوياتية ومناطقية. فلم تكن أهداف الحراك ابتداء أهدافا مجمع عليها ومحددة بسقف مرتفع يتمثل في اسقاط منظومة الفساد والاستبداد وإحداث تغيير جذري لنمط تسيير الدولة.

3°)- عجز القوى المشاركة في الحراك عن توحيد صفوفها:

لم تفلح أي مبادرة في جمع الصفوف و توحيد القوى المشاركة في الحراك و لم ينجح أيمسعى لتحقيق اصطفاف النشطاء والعاملين و الفواعل الحراكية و هذا بالرغم من محاولات عديدة للم الشمل و تحقيق التوافق على الحد الأدنى(شعارات الحراك)، بل على النقيض من ذلك ظهرت محاولات تهدف أساسا لتحقيق مكاسب فئوية و/أوتوسعية لتنظيمات سياسية على حساب وحدة الحراك في مطالبه الجامعة و أهدافه الواضحة. فلم توفق النخب والقوى المشاركة في الحراك في توحيد صفوفها بسبب قصر النظر عند أغلبيتهم أو الأنانية أو الارتباطات مع الأجهزة والروابط السلطويةأو الاصطفاف الإيديولوجي أو تضخم الأنا وإعجاب بالرأي الشخصيوغيرها من الأمراض النفسية، كما لم تتم الاستفادة من إخفاقات ثورات الربيع العربي وتم تكرار نفس الأخطاء.

4°)-استمرار حالة التشرذم و الانقسام و التيه بعد تنحي الرئيس:

بعد سقوط الرئيس المخلوع لم تتشجع القوى المشاركة في الحراك على توحيد صفوفها بل اكتفت بنفس نمط التحرك ورضخت لمنطقوسلوكيات العوام وهناك منكان يظن أن الحراك قادر على تحقيق الأهداف بدون أي عمل جاد ومنظم جهلا منه أو تضليلا أواكتفاء بالعمل الجماهيري لتحقيق التغييروهناك من تراجع بعد سقوط الرئيس المخلوعوهناك بعض القوى والأشخاص من اعترتهاحالة من الانتشاء والانتصار الكاذب وحسبت أنها قادرة لوحدها على إحداث التغيير.كما وجدنا من دعا إلى الانخراط في أحزاب قائمة وأخرين دعوا إلى تكوين أحزاب جديدة ناسين أو متناسين أن التفرق والتشرذم على عدة تنظيمات يصب في النهاية في صالح النظام الاستبدادي. كما سجل ظهور خلافات ونزاعات داخل صفوف الحراك بما أدى على ضعف الحراك والتنازل عن بعض المبادئ والثوابت عند البعض بما أضر من وحدة الحراك وتجانسه.

5°)- انعدام البديل الجاهز(المشروع الوطني):

إنّ أي تحرك شعبي لأجل تغيير منظومة الحكم أو إجراء تعديل في نمط تسيير الدولة يستلزم توافق القوى الداعية إليه على مشروع سياسي وطني جامع واضح المعالم في شكل أرضية أو عقد وطني أو خريطة طريق للقوى المشاركة فيه. فالمشروع السياسي لكي يلقى قبولا و تتبناه القاعدة الشعبية المناصرة للتغيير و المشاركة في الفعاليات الحراكية لا بد أن يكون واضحا في التشخيص، في الأهداف، في المبادئ و القيم، في المراحل و الإجراءات.فغياب المشروع الوطني و البديل الجاهز جعل الحراك بلا أفق و دفعه إلى أن يبقى يراوحه مكانه و لم يرتقإلى مستوى أفضل يمكنه من أن يحقق أهدافه و يشكل بالتالي بديلا عن النظام القائم.

6°)- انعدام المرجعية(التنظيم و الهيكلة و القيادة):

لن تنجح أي حركة تغيير أو ثورة إذا لم يتبناها ظهير سياسي و يشرف عليه تنظيم حركي و تقوده قيادات تحمل مشروع تغيير حقيقي و مجمع عليها، و من ثم فإنّ الدعوات التي كانت تطلق من داخل الحراك وخارجه برفض التنظيم و الهيكلة و التمثيل كانت كلها تصب لصالح النظام القائم. فالمشكلة التي اعترت الحراك هي غيابالمرجعية التي تقود الحراك وبالتالي غياب الرؤية التي يستند عليها الحراك، وكانت هذهنقطة الضعف الأساسية التي أدت إلى ضعفه ثم فشله. كما أنّ عدم تقدير الظروف والمراحل والمواقف وكذا الانخداع ببعض القيادات الرسمية وظهور خلافاتومنازعات داخلية أدت إلى الضعف والتنازع على بعض المبادئ والثوابت المقررة في الثوراتكل ذلك أدى في النهاية إلى اضمحلال الحراك وتوقفه لأنهكان حراكا بلا رأس أي بلا مرجعية.

7°)- ضعف القدرة على العمل الجماعي المؤسسي و الحوار و بناء الثقة:

لقد لوحظ انعدام العمل المؤسسي الجماعي الذي يتأسس على الحوار و الذي هو إحدى الركائز في بناء الثقة بين الفرقاء حيث سجل وجود مجموعات تعتقد أنها هي الحراك، و محاولات للهيمنة و الوصاية على الحراك و على الشعب من أشخاص غير منتخبين، محاولات فرض أجندات و قناعات خاصة غير مجمع عليها، كما سجل غياب المعرفة بأبجديات العمل السياسي مثل التفرقة بين الحليف و المنافس و الخصم و العدو، الاقتناع بالعمل الجماعي لا الفردي، الحوار لا فرض أجندات، مد الجسور و بناء الثقة مع الفرقاء و الخصوم السياسيين، التنازلات المتبادلة، كما سجل من يجعل خصمه الإيديولوجي أكبر خطرا من النظام، و كذا الخلط بين المبادئ و القيم السياسية الثابتة و بين الأدوات و الوسائل المتغيرة و عدم الاستفادة من الخبرات التنظيمية المتراكمة عبر العصور لدى الأمم الأخرى. الحراك كان يحتاج إلى تخصصات كثيرة مثل  » استراتيجية إدارة التغيير، فن قيادة الجماهير وفنون تعبئة الجماهيرية، كيفية صنع القرار، التسويق الدولي لمشروع التغيير، إدارة حل النزاعات، إنشاء شبكة من منظمات أهلية قوية، وضع خطط للسيطرة على التنظيمات المجتمعية، وأساليب مواجهة الدولة العميقة و إعادة بناء الدولة و غيرها كثير مما افتقد لإدارة الصراع و الانتقال الديمقراطي »(*).

8°)-عدم إدراك لطبيعة الصراع و منهج التغيير:

سجل غياب أي إستراتيجية لدى النخب والقطاعات الشعبية للتعامل مع المرحلة بسبب عدم نضجها وعدم إدراكها لطبيعة الصراع ومنهج التغييروكيفيات التعامل مع الأحداث..كان على النخب تحويل الغضب الشعبي إلى قوة منظمة ميدانيا، و احتواء الجموع الشعبية و تنظيم القوى المشاركة في إطار واحد و مظلة جامعة و كيان موحد و السعي لإمتلاك أدوات القوة و أسباب القدرة، كان على النخبفي الحراك الاتفاق على تحديد طبيعة الصراع من حيث أنه صراع وجود و ليس صراع حدود أي صراع بقاء لأحد طرفي النزاع لا مجال فيه لأرضية مشتركة و لا حل له سوى التغيير الشامل (أي التغيير الجذري) برحيل كل منظومة الحكم الاستبدادية و الفاسدة، فلم تسع النخبلامتلاك أدوات القوة ومنابع القدرةو تركت السيطرة على الأرض للنظام المنتفض ضده  و لم تقدر الظروف و المراحل و المواقف وكثير منهم انخدع ببعض القيادات السلطوية العسكرية منها و السياسية.

9°)-غياب أي جهد حقيقي للتوافق على مشروع وطني غير إيديولوجي:

لا يقصد بذلك كتابة مبادرات أو وثائق أو مراجع أو عقد لقاءات و إجتماعات وإن كانت ضرورية ولا بد منها وإنّما العمل على بناء توافق وطني الذي يجمع المختلفين على القضايا العامة والوطنية، والتي تمثل الاختيارات السياسية العامة التي يبنى عليها النظام السياسي. فالتوافق الوطني السياسي هو الذي يحددالاختيارات الوطنية والثوابت الوطنيةوهو مسؤولية كل المكونات المجتمعية المختلفة، وهذه الثوابت التي تختارها الأغلبيةهي ثوابت أغلبية مجتمعية، يحدث حولها توافق بين مختلف المكونات المشكلة للمجتمع.

فلم نلمس لمدة أكثر من عامين أي جهد حقيقي من قبل الفرقاء والنشطاء للعمل على جمع الشمل والتوافق على الحد الأدنى الذي يمثل المبادئ الجامعة والقواسم المشتركة مع الابتعاد عن الأفكار الشاذة والتصورات الغريبة.

وفي الخلاصة يمكننا القول أن الشعب عامة و القاعدة الشعبية المناصرة للتغيير قد أدت ما عليها و أنّ الحراك قد تم اختراقه وفرض عليه مجموعة فاشلة ومنتفعة ومخترقة لاستمرار تصدرها للمشهد وليظل جمود الأوضاع قائما وحالة الفشل مستمرة. فلا يقبل أن يجرب المجرب ويكرر المكرروهذا الذي سيؤدي حتما إلى الفشل لأن تكرار نفس المقدمات سيؤدي حتما إلى نفس النتائج، وإنّه لجدير بالتذكير أنّه لا يكفي أن تكون على الحق وخصمك على باطل لكي تنتصر عليه، وأنّه لا يكفي أن تكون أغلبية الشعب معك لكي تحقق أهدافك وتنتصر على عدوك.

لا زلت مقتنعا أن الحراك يملك ثروة بشرية هائلة وكفاءات ضخمةوطاقات خلاقةوهمم عالية تحتاج فقط من ينظمها في عقد واضح المعالم وإطار جامعونظام محكم.

هذه قناعة لها سندها العميق من غالبية الحراك وهي خطوات لها ما بعدها  لاستدراك ما فات و استرداد الحراك لعافيته وبث الروح في أوصاله.

(*)د. جمال حشمت بتصرف

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici