نُخَب الصُّدفة والارتزاق والفقاعة في الثورات الموؤودة

1
1130

https://m.arabi21.com/
الأربعاء، 08 ديسمبر 2021
محمد خير موسى

الأصل في النّخب أنّها تتصدّر للقيادة، وتتقدّم للرّيادة، والرّائد لا يكذب أهله، وأحوج ما تكون المجتمعات إلى نخبِها إذا تشعّبت السُّبُل وتعقّدت الدّروب، وتشابكت الرّؤى، وبحثت الجماهير عن المخرج.

غير أنّ الحال لم يكن على ما يسرّ البال على الدّوام، فقد شهد الواقع الثّوريّ ما يوجب التّوقف عنده من ظهور حالةِ نخبويّة ثوريّة انتهازيّة؛ تتوزّع على ثلاثة أنواعٍ من النّخب الثّوريّة التي تجتمع فيها صفة الانتهازيّة.

نُخَب الصُّدفة

فور اندلاع الثّورات شهدت الحالة النّخبويّة إرباكاً شديداً على الصّعُد كافّة؛ السّياسيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة والإعلاميّة والفكريّة والدينيّة.

الحال لم يكن على ما يسرّ البال على الدّوام، فقد شهد الواقع الثّوريّ ما يوجب التّوقف عنده من ظهور حالةِ نخبويّة ثوريّة انتهازيّة؛ تتوزّع على ثلاثة أنواعٍ من النّخب الثّوريّة التي تجتمع فيها صفة الانتهازيّة.


هذا الإرباك شهد تأخّر نخبٍ وازنةٍ عن ركب الثّورات، وسقوط أخرى سارت في ركب الطّغاة، وانزواء أخرى ثالثة، ممّا ترك الطريق ممهّدةً لصعود أنواع جديدة من النّخب.

وشريحةٌ من هذه النّخب إنّما كان تقدُّمها في حالةِ فراغٍ وإرباكٍ وسقوط نخبويّ من جهة، واحتياجٍ جماهيريّ مجتمعيّ من جهةٍ أخرى؛ احتياجٍ تفرضه الثّورة التي عصفت أركانها في كلّ شيءٍ، ابتداءً من أعماق النّفس البشريّة وصولاً إلى أركان الدّولة وأوتاد النّظام.

هنا علت السّطحَ شريحةٌ لا تحمل المؤهّلات ولا القدرات ولا الكفاءات، بقدر ما تحمل من قدرةٍ على ركوب الموجة، واستغلال الحدث، والتّواصل مع الإعلام للحديث عن الثّورة وباسمها.

إنّها نخبٌ أوجدتها الصّدفة الثّوريّة لتغدو في لحظة غفلةٍ من الزّمن رموزاً ثوريّةً تطاول القامات الكبيرة؛ في زمنٍ أصبح فيه الحديث باسم الثورة تزكيةً يورث صاحبه حصانةً من النّقد، فيصمت المتابعُ ويبلعها في بطنه حتّى لا يتّهم بالإساءة للثّورة أو بالبلطجة والتّشبيح للأنظمة المستبدّة.

نخبٌ أوجدتها الصّدفة الثّوريّة لتغدو في لحظة غفلةٍ من الزّمن رموزاً ثوريّةً تطاول القامات الكبيرة؛ في زمنٍ أصبح فيه الحديث باسم الثورة تزكيةً يورث صاحبه حصانةً من النّقد، فيصمت المتابعُ ويبلعها في بطنه حتّى لا يتّهم بالإساءة للثّورة


نُخَب الارتزاق

ممّا أسهم بشدّة في ظهور هذا النّوع من النّخبة الانتهازيّة، قدرةُ الدّول المختلفة على استغلال الموجة الثّوريّة والدّخول إلى أعماق تلافيفها بمكرٍ ودهاء كبيرين.

كان بعض الذين صدّرتهم الثّورات لا يحلم ‏ بالجلوس مع رئيس مخفر شرطةٍ، فإذا هو يجد نفسه مدعوّاً للّقاءِ مع شخصيّاتٍ في وزارات خارجيّة عدد من الدّول، أو مدعوّاً للحوار مع ضبّاط مخابرات دولٍ « صديقة ». وبعد ذلك تتوالى اللقاءات الإعلاميّة معه بوصفه أحد « رموز » المجتمع أو « نشطاء » الثّورة.

كلّ هذا يحوّلُه شيئاً فشيئاً من حيثُ أراد أو لم يرِد، شعر أو لم يشعر، إلى منفّذٍ لتوجّهات « الأصدقاء » المفترضين لقضيّته، وقد أصبحوا أصدقاء له هو؛ يمدّونه بالدّعم اللّازم ليبقى فاعلاً وواقفاً على قدميه.

وهو لن ينسى لهم دعمهم لثورته التي تتجسّد في شخصه، فيغدو كلّ دعمٍ له دعماً للثّورة بالضّرورة، وكلّ تقصيرٍ معه تقصيراً مع الثّورة لا يُغتَفَر.

وهذا الارتزاق النّخبوي لا يكون فقط من خلال التّكسّب باسم الثّورة؛ بل يتعدّى ذلك إلى التّغلغل في أوساط الكيانات والجماعات المؤثّرة لبثّ سمومٍ أو شقّ صفّ أو تنفيذ أجندة.

ويعتمد هذا الّنوع من الانتهازيّة على استغلال الرّموز المقبولة والتي لها مكانةٌ عند الجمهور المستهدف؛ كالحجاب والّلحية مثلاً، ارتداءً وخلعاً على حسب البيئة المراد التسلّق والارتزاق فيها.

نُخَب الفُقَاعة

عادةً ما تكون النّخب الانتهازيّة جوفاء فارغة، وتجمع إلى جانب ذلك سوءَ الأدب والخلق، ويعتريها الانتفاخ، ‏وتستخدم أسلوب محاولة هدم الآخرين والهجوم عليهم وإثبات فشلهم للتّغطية على ‏فشل الذّات وفراغها وانتهازيّتها.

فهي تطفو على سطح الثّورات مثل فقاعات كلمّا انتفخت أكثر كان حتفها في انتفاخها، ولكنّ انفجارها قد يكون ذاتيّاً وهذا ما يندرُ عادةً، وقد يكون بدبابيسِ الصّادقين من أبناء الثّورة المخلصين لها، وهذا هو الواجب.

ومن أهم ما يعتري هذه الشّريحة من النّخب الانتهازيّة أنّها تغدو مجرّد بوقٍ تردّد ما يتمّ تلقينها إيّاه، أو تدريبها عليه، مقابل المكاسب الماديّة والمعنويّة التي يمكن تحصيلُها. وهذا ما يمكن أن يفسر أحد أسباب شيوع الرّداءة الثّوريّة في وسائل الإعلام ومواقع التّواصل الاجتماعي.

ليسَ شيءٌ أشدّ إساءةً للثّورات في وجوه الطّغاة من اعتلاء الانتهازيين أمواجها، وركوبهم على أكتافها، وتشويههم وجهها المشرق بالوضاعة والارتزاق


وليسَ شيءٌ أشدّ إساءةً للثّورات في وجوه الطّغاة من اعتلاء الانتهازيين أمواجها، وركوبهم على أكتافها، وتشويههم وجهها المشرق بالوضاعة والارتزاق.

وقد صدق نزار حين قال:

ما هو الشعرُ حينَ يصبحُ فأراً
كِسـرةُ الخبزِ – هَمُّهُ – والغِذاءُ

وإذا أصبـحَ المفكِّـرُ بُـوقاً
يستوي الفكرُ عندها والحذاءُ

وإنَّ رفع الحصانة عن النّخب الثّوريّة الانتهازيّة وكشف زيفها وانتهازيّتها، هو واجبٌ ثوريّ وأخلاقيّ وإنسانيّ، وهو خدمةٌ لقضايا الحقّ والعدل والثّورة في وجه الظّلم.

فالثّورات التي لا تلفظُ خبثها بأيدي أبنائها، تكون كالتي نقضت غزلها أنكاثاً من بعد قوّة؛ فسيندمون ولات ساعةَ مندمِ.

twitter.com/muhammadkhm

1 COMMENTAIRE

  1. و انت من النخبة اليس كذالك ؟ من الاولى الاستغناء عن هذا المصطلح في بلادنا بما ان الكل يتكلم عن هذه الفئة بضمائر الغائب وينهال باللوم على « الاخر »، وفي الاخير الجميع يمثل « الاخر »، فالكل مسؤول في جزائرنا الجديدة القديمة عما الت اليه الامور؟ لا يوجد حل سحري فالكل يعلم ان الثورة تحتاج الى « تضحيات » وشتانا بين « التضحية »، « الاضحية » و « الضحية « . حين تعود وتنضج فكرة « التضحية » وتصبح من القيم النبيلة في مجتمعنا فالحل يأتي حتما من الشعب من عناصر من النخبة او من بين الحكام او من العسكر؟ الحل إذا يكمن في تحيين مصطلح التضحية. تجاهل الجميع شعبا نخب وحكومة لتضحيات الحراقة والمعتقلين هو المغذي الأساسي للثورة المضادة.

    Ce n’est pas seulement à la faillite de l’élite qu’incombe la responsabilité. Certes, il faut se remettre en question et l’élite en particulier. Mais, il faut se rendre à l’évidence que c’est l’inhibition plutôt la disparition de la notion du « sacrifice » dans toutes les franges de notre société qui en est la première cause dans la situation qui prévaut. Le sacrifice n’existe plus au niveau du peuple, de notre élite, de notre armée et de nos responsables.
    Quand on relate la disparition tragique des Harragas en mer comme un fait divers, quand des détenus périssent incarcérés, et que d’autres croupissent encore dans les geôles de nos tortionnaires, sans faire réagir tous ce beau monde.

    Est-ce que ça vaut la peine de se sacrifier ? Pour qui ? Et pourquoi ? C’est ainsi que raisonne la majorité, hélas.

    Quand chacun de nous oseras faire un petit sacrifice pour ceux qui ont déjà emprunté ce chemin des sacrifices, ce jour-là, le Hirak reprendra et la révolution triomphera.

    En ce début du nouvel an, je ne vous souhaite pas le pire tout en attendant l’effet de l’IRG, et le travail des RG, je reprends mon congé, mais sachez qu’il y a un brin d’espoir avec la révolution des affamées ثورة الجياع qu’on nous prépare. Un espoir ce n’est pas le peuple qui va la conduire mais ce sera aux nombreux policiers et gendarmes de la mener ; car ils seront les premiers à en pâtir, le peuple, lui est accoutumé aux différentes restrictions et augmentations, d’ailleurs ca bouillonnent dans ces corps, qui sait peut être que le salut viendra de là ? Salut , Salam , tciao ….

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici