منطق المصادرة كنهج خاطئ في تاريخ الوطنية بالجزائر

0
855

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

احتفل البومدينيون في الجزائر مؤخرا على استحياء بالذكرى الثالث والأربعين لوفاة الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين (محمد إبراهيم بوخروبة)، ثاني رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة بعد أحمد بن بلة والذي حكم البلاد لمدة عقد ونيف من الزمن، خارج أطر مواثيق ومؤسسات الدولة منتظرا، مثلما يسوقه أتباعه ومحامو مشروعه، هدي الوعي الشعبي أن يتأتى مع الوقت ومن ثم تعاد له (الشعب) سيادته وإرادته وسلطانه الطبيعي على كامل مؤسسات الدولة ومصير البلاد!

وبعيدا عن السؤال المباشر من يعطي وينزع شرعية قياس مديات الوعي لدى الشعب ليمارس سيادته على مقدراته ومصيره؟ يمكن اللجوء إلى مداخل عدة في فكر قادة الاستقلال لولوج فضاء السؤال الوطني المصادر ونقد خطابات الساسة المتلاعب (بطبيعة السياسي) بحقائق التاريخ.

فإذا كان الزعيم فرحات عباس قد تحدث عن المصادرة السياسية للاستقلال، في كتابه الشهير الذي دق يوم صدر، جرس الحقيقية السياسية الكبرى حول ما حدث وما سيحدث بعد أزمة صائفة 1962، فإنه ليغدو جديرا بنا استعارة مجاز العنوان لمساءلة مسار الوطنية “البومدينية” التي تتُخذ كمثال غير مسبوق ولا ملحوق في تاريخ الجزائر، فهل صودرت الوطنية كما صودر الاستقلال؟ وهل يمكن مصادرتها حقا؟ وكيف؟

لا يختلف مؤرخو السياسية ومسيسو التاريخ حول طارئية شخص الهواري بومدين على مسرح قيادة الثورة عبر جناحها العسكري، فالرجل قدم من وراء الصفوف ومن خلف المسار المتصل المتواصل للعمل الوطني وهو بذلك يكون قد جثم على ركام عال من التجربة الوطنية فكرا وعملا كانت قد أفضت بثقلها وثرائها إلى بلورة خارطة طريق باتجاه تحقيق الاستقلال وقبلها رسم معالم “ذات وطنية” بمعزل عما حاولت مدرسة الاستعمار أن تختطه للامة بزعم أنها لم تكن موجودة (الجزائر) وأوجدها الغزو الكولونيالي.

في حياة الأمم الحية فكريا، ليس يهم أن يطرأ “زعيما” على غرفة قيادة الأمة أو يعتلي سلطانها بأي شكل من الأشكال، وبأي وسيلة من الوسائل، لأن كل معاني الوجود الوطني مرسومة وموشومة في الضمير الجمعي من خلال تمثل ووعي رصيد الأمة وتجاربها التاريخية تأسيسا وليس فقط تسييسا، من هنا يغدو من العسر بمكان على أي زعيم كان، مهما بلغ من مستويات البلاغة الخطابية في السياسة أن يحرف الماضي عن موضعه والحاضر عن مجراه والمستقل عن أفقه.

لكن في الأمم التي تنبطح فيها النخب لخطاب التسييس على التأسيس الوطني، يتم ردم المنتوج الجمعي في التجربة الوطنية، وينحت صنما من لحم يجبُّ كل ما قبله، ويعتبر أن ما يسوقه هو الحقيقة الوطنية وبالتالي تتجسد فيه وتتمثل كل معاني الوجود الوطني من “وطنية”، سيادة شجاعة، تضحية ومصير الأمة بكاملها وعندما يحذفه الموت، تجد الأمة نفساها قائمة على سراب الفراغ، ولا تجد لها معالم الخلود التي بشرها بها الزعيم قبل أن يؤخذها معه إلى قبره!

من هنا يتضح أن أزمة صائفة 1962 والعصف والقصف الذي تعرضت له شرعية السلطة ومؤسسات ثورة التحرير الوطني، لم تتوقف تأثيراتها السلبية عند حد الصراع السياسي المستمر في الجزائر بأشكال وأنماط إلى اليوم، بل امتدت إلى ضمير الأمة وحقائق كينونتها، ومعاني حضورها في التاريخ، حيث كانت السعي للتحرر من الاستعمار يتجاوز البعد المكاني إلى البعد التاريخي من خلال عبقرية الإنتاج السياسي والنقابي والفكري الذي كانت تيارات وشخصيات الحركة الوطنية تفرزه، مرحلة بعد مرحلة وجيل بعد جيل، قبل أن يتم في خطأ استراتيجي من قادتها التنازل عنه عبر الذوبان المؤسسي الحزبي في (جبهة التحرير الوطني) ودخولها كأفراد وليس كائتلاف قابل للاختلاف وليس بالضرورة التخالف.

فإذا كانت المصادرة السياسية للاستقلال التي تحدث عنها الزعيم الراحل فرحات عباس قد انحصرت أبعادها وتأثيراتها في مسألة أزمة الحكم وشرعية السلطة وقيادة دولة ما بعد الاستقلال في الجزائر، فإن المصادرة الوطنية كانت أنكى وأخطر لكونها حجبت حقائق النشأة الوطنية وأصول التأسيس من خلال خطاب التسيس للتاريخ الوطني وكلما حضر التسييس اغتصبت الحقائق وتقيأ التاريخ!

بل يمكن القول إن المصادرة السياسية للاستقلال اشتغلت على مشروع أكبر من قدرتها وعنفها وعنفوانها وهو مصادرة “الوطنية” منشأ ومسارا، لأن الحقائق التاريخية كانت أضخم وأعظم من أن يحجبها خطاب المصادرة السياسية تلك، وهذا ما يفسر هذا الاعتصار والاختناق الكبير الذي تعانيه الأمة اليوم بين ضخامة تاريخ تجربتها الوطنية وسلطان تجربة الاستقلال السياسية الضيقة الضاغطة.

الخلاصة هي أن الزعامة الانفرادية في السياسة المتفردة بالوطنية والجامعة لهما في يد واحدة للحاكم الأحد أو الحزب الواحد، أو الفكر الأوحد، هي أكبر خطيئة وأعظم جرم يمكن أن يرتكب في حق الأمة مهما كانت أصول “الزعيم” ونوياه ومشاريعه، والأمم التي تفرز زعمائها وليس زعماؤها من يفرزونها، هي التي تهيمن اليوم على التاريخ بأبعاده الزمنية الثلاثة الماضي، الحاضر والمستقبل، في حين أن أمم الزعماء الخالدون المخلدون تهيمن على ساحات الاطلال تبكي على قبور الرخام “زعماءها” وهم الخامدون!

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici