الاتحاد المغاربي: كرة القدم وكراهية أهل القلم!

0
1211

بشير عمري

https://www.raialyoum.com/

لاحظ الكثيرون على هامش الدورات الرياضية وفي كرة القدم تحديدا الخاصة بالمنتخبات الوطنية، تصاعد حدة التعصب القُطري بين شعوب المنطقة العربية وفي المغرب العربي تحديدا، حيث سعى كل لإعلاء من قيمة وجوده والحط من غيره، في مشهد كفيل وحده بتلخيص قصة الخيبة التي يعيشها وعي الاستقلال، وأفق التحرر المنشود للإنسان من بعد الذي قيل عن تحرر الأوطان.

أن يظل نشاط هذا التعصب في حدود غوغاء ولغط العامة على مواقع التواصل والاجتماعي، التي باتت له بالمسرح الأنسب والأرض الأخصب، فهذا مفهوم، لكن أن يصعَّد إلى علياء القوم ممن يسمون جزافا بالنخب، فتلك مصيبة المصائب التي تزيد من وقود نيران الفتنة وتعمق من شروخ الفرقة والاختلاف.

احد النقاد الرياضيين المغاربة يطلع في احدى الإذاعات الخاصة، ليتهجم لا على من أساء إليه من صحفيين جزائريين غير مسئولين، فيقحم التاريخ والجغرافية ويفتت ويبدد الصلات والسمات الثقافية المشتركة، بجملة بسيطة هينة في حجمها مهولة في خطورتها، كونها تتصل أساسا بكينونة الذات في فضاءاتها السياسية التاريخية والثقافية، وهو يرد على المعلق حفيظ دراجي جعل حاجزا مانعا حائلا بين السريان الطبيعي للمشترك العضوي الطبيعي بين الشعبين والبلدين، بالقول “أنا عمري (يقصد المغرب 12 قرنا، وهو (الجزائر 60 سنة)” في مسعى لتأكيد مزاعم الاستعمار الفرنسي للجزائر، بأن هذا البلد لم يكن موجدا لا تاريخا ولا جغرافية، فقط الاستعمار هو من أحدثه وأوجده.

هذا التلاقي في الخطاب بين ما تذكره بعض نخب المغرب، وجاء في كلام الناقد الرياضي المذكور، وما تسوقه وتسوِّقه الدعاية الاستعمارية، إنما يكشف عن حالة التلاقف والتثاقف في الفكر بين الاستعمار القديم ومستعمراته، وأن ذاتنا الخاصة لا نستقرأها من مصادرنا ومن رؤية للتاريخ والجغرافية والسياسة بل من مدارج ومدارس المعرفة الغربية التي يتمركز فيها الرجل الأبيض باعتباره سيد القرن والمهيمن على التاريخ اليوم، ثم نتبجح بعدها برفضنا للاستشراق والاستسراق التاريخي الذي نحن ضحاياه.

الجزائر التي لا يعرفها صاحبنا، كونه كما قال لم يزرها يوما، وإنما عرف عنها أن عمرها لا يتجاوز الـ60 سنة، والتي استعصى على شعبها عبر قرون الانتظام تحت سلطة دولة مركزية بعينها أو أسرة حاكمة بسلالتها، هي ذاتها الجزائر التي استعصى على كل سلطان استعماري أو استقلالي التفرد والاستفراد بشعبها واقتياده بقوة الحديد والنار، وإذلاله في غبش الليل ووضح النهار، لهذا ظلت أرضها عبر التاريخ مسرحا للحروب الطاحنة ومصرعا للغزاة والطغاة مهما كانت جنسياته وانتماءاتهم وأغراضهم.

هاته الخصيصة هي علامة على تاريخ وطبيعة وجود الأمة، ليست بالضرورة ما يحاول الاستعمار تصنيفه والتأكيد عليه وفق معاييره المعارفه الخاصة التي تتلقفها بعض النخب المغربية التي لا تزيد عن ترديد الخطاب العدائي للنظام الحاكم عندها للشعب وليس للنظام في الجزائر، على اعتبار أن الشعبين في البلدين لا يزلان يبحثان عن شكل حاضر معاصر لأمتيهما وكينونة غير تلك القديمة المتقادمة التي يؤجج بها الحكام وأزلامهم من مرتزقة النخب الحمية وسط القواعد الشعبية الكبرى.

في أرض المغرب العربي يتنوع التاريخ ليتكامل وليس ليتقاتل فيه الضمير الوطني والقطري، هذا التنوع الذي يتجاوز تضاريس المكان وسمات الشكل ولون البشرى وثقافة الأصول العريقة الممتدة إلى ما قبل الإسلام والمعززة والموطدة بظهوره وترسخه، عوض أن يُعاد استكشافه (التنوع) وتدارسه خارج السياجات والسياسات القطرية المغلفة بالمعرفة أحيانا، يتم تدنيسه بمسرود الخطاب الاستعماري وتقديمه للناس على أطباقه المسمومة من قبل من يزعمون أنهم يمثلون الصدر أو الصف الأول أو صفوة المجتمعات المغاربية اليوم.

وإذا كانت لعبة من مثل كرة القدم كفيلة بإثارة النعارات القطرية والاثنية بين شعووب منطقة المغرب العربي، فماذا يمكن القول حول المصالح الكبرى التي تعنى بمصائر هاته الشعوب؟

هي إذن خيبة المعرفة، خيبة السياسة، يعكسها العقل المأجور الذي يستبطن رؤوس بعض الناس ويستوطن مسارح السجال والجدال الشعوبي الشوفيني الفارغ، على مائدة الاستعمار ومخلفات غذائه ووليمته المسمومة.

فالاستشراق الذي في سواد منتوجه المعرفي الأعظم عمل على غسل التاريخ من أثر الشرق، عبر إعادة تصويره نمطيا بالشكل الذي يقصيه من قصة الحضارة والاسهام الكبير الذي قدمه فيها، باعتباره (الشرق) مهد الحضارة الإنسانية، فيتمركز الغرب فيها بطول التاريخ والجغرافيا وعرضهما، صار يظهر أبسط أثرا وفاعلية من الفكر والمعرفة الاستعماريتين للإنسان والمكان في المغرب العربي كما في المشرق، حتى تظهر أفواه تلوك كلاما غريبا يعبر عن مستوى جهلها أو تجاهلها بحقائق لوثها الاستعمار وطمس عناصرها الذاتية فقط ليشفي غليله ويحقق مراده الشوفيني الشعوبي المقيت.

شعوب المغرب العربي تكافح اليوم من أجل المستقبل لا الماضي، والمستقبل هو أصلا مستشكل بفعل ماض متلبس في طوايا المعرفة المُضببة بسبب غبار التراث وسموم الاستعمار والاستدمار، شعوب تريد أن تتحرر من كل سلطان يحول دون أن تعيش بكرامة الانسان وليس فقط بعنوان سلطة المكان ومكان السلطة سواء تقدمت أم تأخرت في الزمان ! أن تعيش بكرامة الانسان لا

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici