الحراك الجزائري وخصوصية المسار الثوري المفتوح

0
1465

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

انتقد مؤخرا، الكاتب الفرنكفوني كمال داود الحراك الجزائري، لعجزه عن التعبير عن نفسه سياسيا، وظل حبيس شعارات مطلبية لا غير، على اعتبار أن الثورة ترقى في مفهومها عن سطحية المطلبية والشعارتية لتغدو أداة قطائع مستمرة مع حكايا ماضي وحاضر المجتمعات كي تعيد الاشراق لوجه المجتمع.

ظاهر كلام دواد يحمل الصحة لكنه في خفاياه يستبطن الكثير من التسطح في وصف وتصنيف الحراك بحسبانه مستوى من التعبيرات العملية للثورة، تطرح نمطا آخرا في الفعل الثوري الإصلاحي التجديدي خارج النماذج القديمة الاقتلاعية التدميرية التي تعنف في عملية التحول من نظام إلى نظام جديد.

قلنا في كم مناسبة تحليلية لظاهرة الحارك، أن الشعب استبقى النخب في المبادرة السياسية المطلبية الخاصة بمعاودة بناء كل المنظومات التي تقع هرميا تحت النظام السياسي، وليس بمقدور الشعوب أن تصوغ البيانات الثورية أو تطرح مشاريعها، فتلك من مهام ومقتضيات النشاط النخبي السياسي والفكري.

ما حققه الحراك هنا هو اجماع الشعب لأول مرة على مسألة خطأ التمشي الرسمي الذي كرسته منظومة الحكم، ما يعني أنه (الحراك) قد امتلك أداة الوعي في فهم طبيعة اشتغال السلطة وأثر ذلك على واقع ومستقبل الأمة، وحين نادى بالتغيير، فنداؤه لم يكن للسلطة فحسب، بل كان للمنظومة السياسية ككل باعتبارها الأداة الوظيفية المعطَّلة والمعطِلة للمجتمع وقدراته.

في تجربة الحراك الجزائري ثمة خصوصية لنشاطه فرضتها الخصوصية البنيوية لمنظومة الحكم، ذلك لأن الحراك هو تلك المبادرة الاحتجاجية الاعتراضية على نمط قيادة البلاد وشاكلة آلية القيادة أي منظومة الحكم المزدوجة بين ظاهر متخف، فوقي وحقيقي، كان منطقيا أن يتشكل الحراك بذات الاسلوبية تماشيا والقاعدة التي تقول كل نظام يفرز المعارضة التي يستحق ويمكن استعارة المقول وإعادة صياغتها “كل نظام يتسبب في شاكلة الثورة التي يستحق”.

ولما كان هدف الحراك المطلبي الاحتجاجي هو رحيل منظومة حكم بوتفليقة باعتبارها حلقة من سلسلة المنظومة القديمة التي تصارع كل مقتضيات الزمن وتحولات التاريخ كي تظل في موضعها، كان لزاما على النخب أن تتلقف هذه الفرصة لتعمل على تطوير هذه المطلبية والاحتجاجية الحراكية فكريا وسياسيا وبذلك تنمو وتتسع الآفاق التغييرية التي تشرئب لها نفوس الناس.

مثل هكذا طرح يحيلنا بالضرورة إلى مسألة التفكر العميق والتدبر في شاكلة هذا الحراك، وعدم التزمت في توصيفه وتصنيف وفق المقاربات النظرية والنظريات العلمية والفلسفية لقوانين الثورة التي صاغها وطرحها أصحابها انطلاقا من تجاربهم الثورية الاجتماعية والسياسية الخاصة في تجاربهم التاريخية الكبرى.

فمثل كمال داود الذي يرى الغرب وفرنسا تحديدا هي نموذج الأشياء كلها، لا ثورة ولا حراك ولا مبادرة سياسية يمكن الاعتراف بها إلا إذا استجابت لنظريات ومعاجم وقواميس بل وقوانين الفكر الغربي وتجاربه وتحاربه السابق وإلا فلا يمكن أن تصنف حراكات وحركات الشعوب الأخرى في سياق تطور العمل السياسي في التاريخ.

وبهذا يغيب عن مثل كمال داود وغير من أن حراك الجزائر يمكن وصفه بالمبادرة الثورية المفتوحة، التي لا تنغلق تحت أي مسمى أو شعار أيديولوجي أو ثقافي أو عرقي أو تحت قيادة أي زعيم مفوه متكلم، يعرف كيف يجيش الناس ويحتشدهم في حزب لحكم الاخلاق عليهم ومسك الاغلال على أيديهم مثلما كان الحال مع الشيوعيين في أحاديتهم الفكرية والسياسية، الحزبية قبل أن تجرفهم ثورة الشعوب نهاية القرن الفائت.

المسار الثوري المفتوح للحراك، هو المعنى الحقيقي لاستباق مبادرة الشعب الثورية للنخب، ووجوب اشتغال هاته الأخيرة على هذا المسار من أجل التوصل إلى محطة اكتمال المشروع الثوري، ذلك لأن الحراك كان جامعا شاملا لكل الاتجاهات الفكرية والثقافية والاثنية، وهو مخزون ضخم من الرؤى والمشاريع قد يسهم في إعادة تشكل العقل الوطني بما يحقق العقد الوطني الجديد القائم على رؤية جديدة عميقة وحقيقة بالتحول إلى جمهورية جديدة.

فما يتوجب فهمه والاقتناع به أولا وأخيرا، أن المسار الثوري المفتوح هو حالة حراكية ممتدة وغير محددة بزمن، عمرها مرتبط بمدى اكتمال المشروع الوطني الجديد فكرة ووعيا، وهو بذلك بعيد عن كلاسيكيات الثورة والسياسة التي كانت تخرج بالبيانات من الثكنات أو قصور الحكم المغلقة.

إذن فالحراك فكرة ستظل متقدة في عقل ووجدان وضمير الأمة، ليس حدثا عرضيا يستقر آليا في الذاكرة كما استقرت الأعياد السنوية الروتينية مدفوعة الأجر، بل إنه يشكل مبدأ الأزمة المستشرف من الخلف، ومنتهاها المستشرف من الأمام، وهو بذلك محاولة جادة لاستكشاف حضور الذات وإعادة اكتشاف الدولة التي غابت عنه إلا في خطابات الاعلام وعلى دمغة الوثائق الإدارية!

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici