اعتقال العقل في زمن “الحرب العوليمة” الأولى

0
1377

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

ليست الأزمات التي تطفو على تاريخ الأمم والمجتمعات هي الخطر في حد ذاتها، وإنما الخطر هو في عدم وعييها واستيعاب عناصر ظهورها بما يسمح بتلافيها في الأفاق والمديات القريبة منها والبعيدة، والأمم المتحضرة هي تلك كشف التاريخ كيف أنها أفلحت في وعييها للأزمات ووظفت بإحكام معطياتها في مسارات تحقيقها للتجاوز التاريخي المفضي حتما إلى التطور، وذلك من خلال فضاء نقدها الحر عبر كامل منابر الكلمة والرأي خارج أسوار المؤسسات المغلقة التي تمارس الوصاية على العقل والعقد الوطنيين.

في هذا السياق تحديدا وفي مداخلة له عبر قناة حزبه باليوتيوب، اعتبر رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية والمرشح السابق لقصر الإليزيه الفرنسي فرنسوا أرسلينو قرار روسيا بفرض التعامل فقط بعملتها الوطنية الروبل، أو العلمة الصينية “الين” كمقابل لصدارتها من النفط وخاصة الغاز لأوروبا، بالحدث التاريخي الذي سيغير من ليس فقط من ملامح النظام الاقتصادي العالمي بل من مركزية الغرب في الحضارة الحالية، مسهبا في طرح الدلالات في أسلوب جمع فيه بين السياسي المعارض والاقتصادي السياسي والمثقف الحزبي، نادرا ما نجده في المشهد العربي والعالم ثالثي.

مثل هكذا نموذج راق يكشف بأن مشكلة الدول “المجمدة للعقل الوطني” هو أنها تحرم الوطن من جهد واسهام مواطنه وتحرم المواطن من خير وطنه في أثناء بروز الأزمات بوصف الأزمة حالة استشكالية طارئة تنجم عن اختلالات في طبيعة المسارات المتدافعة والمتضادة داخل المحيط تقتضي رؤية جديدة للعبور إلى الحل.

هاته الرؤية الجديدة لا يمكنها أن تتأتى إلا من خلال تداعي جماعي وشامل للعقل الوطني دونما حجر أو إقصاء أو وصاية، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لتسليط كامل الأضواء المشتركة على عناصر الازمة ما يسمح بمسحها واستيعابها كلية ومن ثم إيجاد الحلول اللازمة لها.

ما نلاحظه اليوم مثلا في تداعيات أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، وهي أولى الحروب الفعلية في الفضاء العولمي، هو شبه سكوت أو إسكات لهذا العقل، فلا بلاتوهات أُعدت خصيصا لهذا الظرف الاشكالي الدولي ذي الانعكاسات على الأوضاع المحلية في ظل تمدد الشأن الخارجي في حظيرة الداخل بفعل العولمة وشبكاتها وتشابكاتها، ولا انخراط للعقل الأكاديمي في معمعة التحليل الفوقي غير الأفقي، ولا حضور للعقل السياسي الحزبي وغير الحزبي لشرح الامتدادات الممكنة للأزمة داخل النسيج السياسي لهذه الدولة الحاجرة الحاجزة على العقل الوطني.

مثل هكذا موقف من المثقف والفاعل أو المتفاعل أو بالأحرى المفعول به السياسي العربي والعالم ثالثي، يكشف عن عمق أزمة فهم للديمقراطية باعتبارها حق أساسي يتجاوز نطاق السقوف المتدنية في الممارسة الوطنية والتي تحجب الرؤى الكبرى والكلية حيث يُتهدد الوطن في مصيره.

لماذا تتسع مساحات التحليلات والتعليلات لمباريات كرة القدم، وتضيق بالمقابل تلك التي تُعنى بفهم مباريات ومبارزات الأمم؟

إن في تغييب مستويات العقل الوطني، العام منه والخاص، الأكاديمي والانطباعي، السياسي والثقافي عن محافل النقاشات الخاصة بالأزمات الكبرى، كما هو الشأن حاليا مع الأزمة الدولية المتأتية من الهجوم الروسي على أوكرانيا، ليس له من معنى أكثر من مسعى لتحييد هذا العقل عما يحدث وحرمانه من الارتقاء إلى مستوى فهم كامل وشامل للأحداث بما يمكنه بالتالي الثورة على واقعه المأزوم.

ففي الوقت الذي تتقلب فيه كل الأسواق المالية والنفطية وتختل فيه كل الحسابات الجيوبوليتيكية وتتكسر التحالفات التقليدية، نرى الأمم “المحجور على عقلها الوطني” لاهية متلهية في بلاتوهات مونديالية تحصر وتحسب نقاط قوة وضعف قادم الخصوم في ميادين كرة القدم وتغيب عنها نقاط ضعف وقوة قادم الخصوم في ميادين صراع الأمم، في مشهد مقزز يبعث على شيء من الإحباط بشأن مستقبل هاته الشعوب التي هي في حقيقة الأمر ضحية نخبها قبل نظمها.

فالواضح هنا إذن، هو أن تحرير العقل الوطني من الحجر والحجز الواقع فيه في هاته الأمة المستضعفة ذاتيا وأحيانا طواعيا، بات أول خطوة باتجاه تحرير الأوطان من الديكتاتورية والقبضة الشمولية التي تريد الاستمرار بأشكال وواجهات ديمقراطية تسهم تكريسها النخب المتعلمة المتعلبة في سياق تاريخي يفترض أنه أطاح بكل شرعية زمنية للشمولية ونظمها.

فأزمة الديمقراطية بالنظر إلى المعطى العولمي واكتساح الشأن الخارجي بقوة للداخلي، لم تعد مقتصرة على سرقة شرعيات محدودة، أو تزوير انتخابات أو سحق مطالب أقلوية، أو طحن تيارات أيديولوجية، بل باتت أزمة وجود وطني حقيقي تتهدد المواطن بذات مستوى تهديدها للوطن، لهذا يظل الانخراط من خلال وعي متجاوز لحدود ديمقراطية الأوطان المغلقة في الرؤى الدولية باعتبارها متصلة بالشأن الداخلي، أمرا حتميا ولا مفر منه للعقل الوطني إذا ما كان يروم حقا الانعتاق من ضيق مطالبه الجزئية المجتزأة.

وهذا ما يجعلنا نخلص إلى الحاجة الملحة لهاته الأوطان إلى ذلك النموذج الجديد من المثقف والمختص السياسي الذي يتجاوز بوعيه الجديد ما توقف عنده العقل الوطني الكلاسيكي المغتم والمهتم بالشرعيات القديمة المهضومة في طيات التاريخ، مفهوم الوطن ومفهوم الدولة يكاد يتغير على نطاقات الممارسة قبل النظرية، لدى القباضين على العصر وبلداننا المتخلفة لا تزال تترنح في غيبوبة الوجود الصوري المتقطع المجتزأ في مسارات التطور.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici