سؤال البناء الوطني في ستينية استقلال الجزائر

0
740

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

ستون سنة مرت اليوم على استقلال الجزائر، بعد احتلال فرنسي دموي تدميري دام أكثر من مائة وثلاثين سنة، استقلال نقل المسالة الوطنية في مسار انطراحها واستكمال صورتها من الصراع مع الآخر المحتل إلى الصراع مع ذات في مرآة التاريخ، ولا يزال السؤال مثارا حول أهم القضايا المتصلة ببناء الوطن ماضيا وحاضرا، كالشرعية والهوية ونموذج بناء الانسان ونقله من المرجعيات والشرعيات الأولى كالثورية التي بفضلها تحرر في المكان إلى مرجعيات العصر التي ستحرره في الزمان.

يجمع مؤرخو السياسة في العالم أجمع أو يكادون، على أن استقلال الجزائر كان نموذجيا في مسار حركة التحرر العالمية التي انبجست ظاهرتها مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي، ذلك لأنه جاء كثمرة خاصة لتضحيات نوعية غير مسبوقة في تاريخ الأمم المناهضة للاستعمار، لذا عُد يوم استقلالها حدثا يتجاوز في صداه وتداعياته العتبات المحلية أو الإقليمية والقارية ليغدو كونيا، بالنظر للصدى الذي كانت تحدثه الثورة التي أنجبته مثلما أكد عليه المفكر السوداني الراحل حسن عبد الله الترابي في حصة مراجعات بإحدى القنوات الفضائية، حيث يذكر يوم كان يدرس في السوربون بفرنسا نهاية الخمسينيات، كيف أن تأثير ثورة الجزائر على الضمير الدولي بعاصمة الانوار باعتبارها محضن لكل جنسيات العالم من أجل السياحة، العلم، المعرفة والإقامة “لقد كان للثورة الجزائرية حضورا كبيرا وتأثرها الخاص على الوضع الداخلي لفرنسا من خلاله على العالم بأسره ولم تكن أي قضية أخرى بقادرة على أن تحوز ذات الاهتمام والتضامن وتثير ذات الحجم والحدة من النقاش وقتها” ومثل هاته الشهادات هي التي نمذجت الثورة الجزائرية باعتبارها غير مسبوقة بمِثل ومَثل وفق معايير عدة في تقدير الأمم والشعوب .

لكن بعد الاستقلال، ستظهر فواتير أخرى سيدفعها الوطن والمواطن كي تكون طاقة دفعه في مجرى التاريخ، فواتير في شكل مسائل ومشاكل مع الذات سياسيا وتاريخيا كان يقتضي التعامل معها بكثير من الحكمة والحنكة ونكران الذات من قبل رواد الوطنية سواء الذين عارضوا في المقام الأول الذين حكموا بما يتيح لهذا الوطن الجريح فرص تجاوز نكبات مضت وأخر تلت ولا تزال الأفاق تحمل الكثير من قلق السؤال الوطني.

هذا السؤال الذي كلما طرح أو أعيد طرحه اليوم، ينتصب بعد غلاة الخطاب الوطني الأجوف، والمستفيدين منه، يتهجمون على حملته (السؤال)، من خلال تمركزهم حول جزئية الهوية واعتبار كل من يثير الاشكالات التي رافقت الاستقلال الوطني، إنما يسعى إلى المساس بمرجعيات الثورة التي على أساسها بُني الاستقلال، وهذا الأمر غير صحيح بالمرة، فالهوية ليست ترف باللغة أو تقارض للشعر بين جماعات ثملة بزهو الكلام، إنما هي استمرار لوجود الذات معنى ومبني في التاريخ والجغرافيا، بل إن الهوية بميزتها وتميزها كانت الأساس الحافظ للضمير الوطني من الاندماج والذوبان والسقوط في فخاخ الاستدراجي الاستدماري الفرنسي للنضال الوطني وثورة الشعب من أجل التحرر والانعتاق، وهي بذلك متجاوزة لكل قدرة وإرادة للمس أو التغيير من أي جهة كانت.

في حين يرفض البعض الاخر الرؤية النقدية لمسار مشروع دولة الاستقلال، بحجة أن ذلك يمس وحدة البلاد أرضا وعرضا، وكأن الاستقلال الذي حصل بعد أنهار من الدم والدموع هو بالهشاشة بحيث يمكن العصف به إذا ما استئناف واستمر النقاش حول ما سبقه ولحقه من مشاكل التأسيس الوطني، مع أن بعضهم يروق له الحديث عن “الجزائر الجديدة” باعتبارها قاطعة مع “القديمة” دون الحديث عن عناصر “القطيعة” تلك جوهرها واسبابها!

بينما يذكرني موقف البعض الآخر (العاطفي) من مشكال دولة الاستقلال ومشروعها الذي يقر الجميع بفشله، بموقف وخطاب نخب الحركات الأصولية التي من فرط سعيها لتنزيه وعصمة تاريخ المسلمين وليس تاريخ الإسلام، كما يحرص على التأكيد عليه المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري، راحت تنزع الخطأ والخطيئة عن كل أطراف الفتنة وتعتبرهم كلهم أتقياء أولياء وعلى صواب حتى وهو يتقاتلون على الحكم ويدوس بعضهم الشرعية!

 ففي الجزار ثمة من يضع الرافضين للعبث بنظام الثورة والشرعيات التي أقرها كأساس للبناء الوطني في مرحلة ما بعد الاستقلال، في ذات مقام من غامروا وقامروا بالاستقلال وكانت النتيجة مزيدا من الدم المسفوك والأروح المغدورة والطاقات المهدورة!

من مثل هكذا زوايا تبرز مكامن الخلل والاشكال الذي يلازم دولة الاستقلال وهو الوقف الجريء أمام المرآة لتفحص الملامح وتذكر الملاحم وكيف حدث الذي حدث حتى استعصى العبور إلى الأفاق التي وعدت بها خطابات الحركة الوطنية، وكرسها بيان أول نوفمبر، هذا البيان الذي قُدس إلى حد أصبح لا يُرتجع إليه سوى في الاحتفالات والأعياد الوطنية باعتباره من المحنطات الرمزية، ويغض الطرف عنه كلية حين يفتح النقاش حول أثر التاريخ في الواقع السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي الوطني، وذلك مخافة التأويل وتجاوز محدودات الفهم الخاص التي تكرست باعتبارها القراءة الوحيدة والصحيحة للبيان أي القراءة الأحادية أو الواحدية، مع أن المجتمع تجاوز الأحادية كنموذج تنظيمي وتفسيري لتاريخ واقع البلاد .

واليوم يطمح الجزائريون بكل تنوعاتهم وتعدد ثقافاتهم ومشاربهم السياسية، إلى أن تكون ستينية الاستقلال فرصة للانفتاح على ذات من دون تمركز أو احتكار للسلطة أو للذاكرة أو لأي عنوان مشترك للوجود الوطني، من أجل تصويب ما شاب البلد من أخطاء صاحبت مشروع دولة الاستقلال الأولى!

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici