دبلوماسية السر الأعظم

0
471

Nadjib Belhimer

Nadjib Belhimer

قرار تجميد المبادلات التجارية مع إسبانيا، الاستيراد منها بتعبير أكثر دقة، الذي اتخذ يوم 8 جوان الماضي تم إلغاؤه أمس الخميس، تطلب الأمر إصدار جمعية البنوك والمؤسسات المالية لبيان مقتضب ليعود الوضع إلى ما كان عليه، أما التفاصيل فمختصرة في عبارة « بعد التشاور مع الفاعلين في ميدان التجارة الخارجية فإن الإجراءات المذكورة في الموضوع ( منع الاستيراد ومنع التوطين البنكي) لم تعد سارية المفعول ».

لا يقدم بيان الجمعية التي تولت مهمة الإعلان عن « معاقبة » إسبانيا تجاريا نيابة عن الحكومة الجزائرية بعد قرار مدريد تغيير موقفها من قضية الصحراء الغربية وتبني مخطط الحكم الذاتي الذي تقترحه الرباط إطارا وحيدا لحل النزاع، لا يقدم البيان أي تفاصيل عن النتائج التي خلصت إليها المشاورات المذكورة والآثار التي ترتبت عن التجميد الذي استمر قرابة شهرين، وقد تعول الحكومة على أن يطوي النسيان هذا الموضوع دون أن تكلف نفسها عناء تقديم أي توضيح للرأي العام تماما مثلما التزمت الصمت حيال الأسئلة التي تلقتها من مصالح الجمارك طلبا لتفاصيل حول كيفية التعامل مع السلع المستوردة من إسبانيا والتي مصدرها دول أخرى من الاتحاد الأوروبي، أو تلك السلع الإسبانية المنشأ التي قد تستورد من بلد أوروبي آخر.

قبل هذا لم تشرح الجزائر كيف انتهت »الأزمة » الأخيرة في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ولم يعد إلينا أولئك الذين تناوبوا على السخرية من إمانويل ماكرون في وسائل الإعلام العمومية والتأكيد على أنه لن يفوز في الانتخابات الرئاسية ليشرحوا لنا كيف عادت المكالمات الهاتفية بين عبد المجيد تبون وماكرون والتي تحرص وكالة الأنباء الجزائرية وجميع وسائل الإعلام الأخرى على نشرها ممهورة بعبارة « هام ».

لن يأتي أحد ليشرح لنا هل كان قرار تجميد المبادلات التجارية مع إسبانيا صائبا وهل حقق الأهداف المرجوة منه، وهي أهداف لم تعلن بشكل رسمي إلى حد الآن، وفي انتظار « أزمة » جديدة في العلاقات مع فرنسا لن يشرح لنا كيف يتحول ماكرون في ظرف وجيز من صاحب النوايا الطيبة إلى الرئيس الشرير الذي يريد أن يبقى في الحكم باستمالة دعاة « الجزائر فرنسية » إلى رجل طيب النوايا مجددا، فهذه قضايا أكبر من أن يخوض فيها العامة.

من المفارقات الغريبة أن وسائل الإعلام الجزائرية، والأحزاب السياسية بما فيها تلك التي تصف نفسها بالمعارضة، التي تصطف بشكل آلي خلف المواقف الرسمية عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، لا تجد أي حرج في الاستشهاد بالمعارضة التي لقيها قرار حكومة بيدرو سانشيز بالانحياز إلى خطة الحكم الذاتي المغربية، وقد دأبت وسائل الإعلام العمومية على نقل كل تصريحات نواب البرلمان والسياسيين الإسبان الذين عارضوا قرار سانشيز، في حين أن النقاش حول قضايا السياسية الخارجية عندنا محرم تماما ويتعرض من يجرؤ على الخوض فيه إلى التخوين.

هناك تفسير واحد لهذا الإفراط في القرارات التي تحدث الضجيج الإعلامي أكثر مما تؤثر فعليا في الشركاء أو التوازنات الإقليمية ثم التراجع، وهو أن السلطة حولت قضايا السياسة الخارجية إلى ورقة لتسيير الشأن الداخلي والسعي إلى بناء قاعدة شعبية مساندة للنظام لم تفلح الانتخابات الكثيرة التي جرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة في توفيرها، غير أن التراجع عن تلك القرارات يكشف انعدام رؤية واضحة للواقع الدولي وعدم إدارك تعقيدات العلاقات الدولية كما كشفته، ولو جزئيا فقط، ارتدادات قرار تجميد المبادلات التجارية مع إسبانيا على علاقة الجزائر بالاتحاد الأوروبي والآثار المترتبة على من سمتهم جمعية البنوك « الفاعلين » في ميدان التجارة الخارجية ومنه على عامة الجزائريين، ومع تكرار التراجع عن هذه القرارات غير المدروسة يتآكل « الإجماع » المزعوم حول السياسة الخارجية والذي تختزله السلطة في دعم القرارات التي تتخذها دون أن تشرحها أو تدافع عنها أو تقدم حصيلة عن نتائج تطبيقها.

عندما جاء بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999 قدم ثلاثة وعود كبرى من ضمنها « إعادة الجزائر إلى الساحة الدولية »، وبعد عشرين سنة من حكمه صار شعار « العهد الجديد » هو إعادة الجزائر إلى الساحة الدولية ( قال تبون في أحد لقاءاته مع الصحافة صار المسؤولون الأجانب يسألوننا « وين رحتوا » كناية عن غياب الجزائر على الساحة الدولية قبل مجيئه إلى الحكم)، وكل من يتابع وسائل الإعلام الجزائرية، عمومية وخاصة، سيجد أن أحد عنواينها الثابتة هو « عودة قوية للدبلوماسية الجزائرية » ولا نعرف متى غابت وكيف عادت لأن تمجيد الدبلوماسية والإجماع على رشد قراراتها ثابت لم يتغير إلا عندما تحول عهد العزة والكرامة إلى زمن حكم العصابات في الخطاب الرسمي.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici