هوس العالمية في أزمة الخصوصية بالجزائر

0
423

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

بعد ستة عقود من الاستقلال لا تزال معضلة غياب المشروعين السياسي والمجتمعي في الجزائر تعبر عن نفسها بقوة في خطابات وصراعات النخب، كاشفة عن عمق الأزمة التي أريد لها أن تعالج بمنطق التسكين لا بمنطق العزم والحسم، وصار قانون التوازنات الذي على أساسه تأسست سلط الدولة والمجتمع السياسية منها والرمزية، يفرض حضوره ممدا من عمر الأزمة مهددا للمجتمع والدولة معا بالانهيار.

في هذا السياق تحديدا أثارت مؤخرا تصريحات الكاتب والروائي الجزائري باللغة الفرنسية ياسمينة خضراء (محمد مولسهول) جدلا واسعا في الأوساط الأدبية، الثقافية والإعلامية، بشأن قيمة أعماله مضمونا ولغة، والعالمية التي أدعى أنه امتلك لوحده من دون الذين سبقوه أو لحقوه، الفضل في الارتقاء إليها بالأدب الجزائري، وقد صاحب هذا الصخب عودة الحديث عن مركزية اللغة في أزمة الهوية التي يحياها المجتمع الجزائري، حين صرح الرئيس عبد المجيد تبون بأن الفرنسية كانت “غنيمة حرب” وآن الأوان للارتقاء إلى الإنجليزية بصفتها اللغة “العالمية”.

انضافت إلى كل هؤلاء وأولئك خرجة قائد فرقة الغنائية “راينا راي” لطفي عطار الإعلامية التي زعم فيها بدوره بأنه وفرقته هم من طور هذا النمط الغنائي للناس وأخرجوه من حواري مدينة سيجي بلعباس من محليته البدوية الجزائرية إلى الساحة “العالمية” ولولاهم لظل الفن الجزائر قزما لا يعدو حدوده المحلية !

من هنا وجد السؤال الكبير كل مبررات انطراحه، هل استوعب الجزائري حقا وعيا وممارسة “محليته” أي خصوصيته حتى انطلق بها إلى “العالمية” ليحضر في تدافعاتها وصراعاتها؟

تشير الأحداث التي سقناها سلفا، إلى مسألة مهمة في جدل الهوية بالجزائر وأزمتها التي صارت تزداد تعقيدا بفعل الحضور الهائل والمتأزل لسؤال العولمة كطور جديد في مسألة النطاقية القيمية يأتي من بعد العالمية كمفهوم ومشروع، والمسألة هنا هي عدم القدرة على فهم ملابسات التاريخ وكيفية التعاطي دون التغاضي على تراكماتها وتداعيتها، والأمر عائد بالضرورة إلى اخفاق النخب في طرح الأسئلة المتصلة بالذات خارج سياقات المعرفة الاستعمارية وفكرها المالئ للفراغات، ما انعكس على خطاب النخب الحاكمة التي راحت تتخبط في أتون الأزمة العميقة تلك !

فمنطق “الغنيمة” ليس يقف في الحقيقة عند حدود اللغة، بل عمليا يتجاوزها إلى كل فضاءات المعنى الأخرى، أي أنه ليس اللسان الفرنسي وحده ما استقر في خيال الجزائر كآلية ضرورية وحتمية للتطور والتحضر، بل الانسان الفرنسي بلسانه وثقافته ورؤيته للكون وللتاريخ وألا فما المقصود بالغنيمة؟

ثم إن منطق الغنيمة القائم مفهوما وسلوكا على محصول الغازي في المعركة على المغزو، إذ يقال في العادة عن الجيوش المنتصرة في المعارك أنها عادت إلى أوطانها وقواعدها سالمة غانمة، وإذا كان وحال هذه، بعض الجزائريين يعتبر اللغة (الفرنسية) من مغانم الاستعمار، فماذا يقول المستعمر الذي مدد ظله ولسانه وثقافته على أرضهم (الجزائر) أليس ذلك بالغنيمة؟ فمن الأولى بالحديث عن منطق الغنيمة هنا ومن اغتنم من؟

في الحقيقة تكشف أزمة الخطاب الثقافي والسياسي وتداخلاتهما عن عمق أزمة مشروع الدولة والمجتمع لدولة الاستقلال، وعجز النخب عن النظر والتناظر في العناصر الرئيسة لهذا الفشل خارج مرجعيات التأسيس الأولى، وهذا بسبب نقص ثقافة المراجعات ومساءلة التجربة والذات وشجاعة الرجال في ذلك، إلا فيما ندر من مثل تجربة الزعيم بن يوسف بن خدة المتبرئ من الاشتراكية، وأحد مثقفي السياسة في الجزائر ونعني به فرحات عباس المتخلص من الاندماجية، وعلى الجانب الثقافي نماذج مالك حداد ومالك بن نبي ورشيد بوجدرة العائدين (من) الفرنسية، يقابله نموذج كاتب ياسين ومصطفى لشرف العائدين (إلى) الفرنسية، مثل تلك النماذج وغيرها، كان بالوسع أن تُتمثل وتستوعب داخل النقاش النخبي لا سيما وأنها لشخصيات وازنة ومركبة التكوين ومتنوعة المشرب والمنقلب، والأهم من هذا وذاك أنها غنية بالتجربة الوطنية في صراعها مع الفكر الاستعماري فيما قبل وبعد الاستقلال.

انضاف إلى ما ذكرنا من نقص ثقافة المراجعات لدى نخب الفعلين الثقافي والسياسي، عدم قدرة وإلا فإرادة الناقد الثقافي والسياسي في الكثير من الحالات، للنظر في تجربة أولئك المراجعين لتجربتهم ومواقفهم من مسائل حيوية أعاقت انبلاج مشاريع مجتمعات، ثقافية، سياسية واقتصادية للبلد.

وفي الخلاصة إذن، تبرز استحالة الحديث عن مرتقى جزائري إلى “العالمية” في ظل ضبابية المشروع الخصوصي وشبه غيابه، وخطأ اعتبار ثقافة ونموذج الاستعمار لغة وفكرا، معيارا بل وجسرا للمرور إلى العالمية، مثلما كان الخطأ في الاستراحة الساذجة لمقولة أن لغته (الفرنسية) كانت “غنيمة” حرب، تلك الغنيمة التي تنازلت عنها رواندا وتغسلت من لوثتها لتندرج بسلاسة وسلامة في مسار التنمية المحلية دونما صخب ولا هوس بالعالمية، مثلما هو حاصل في خطاباتنا السياسية والثقافية بل وحتى الرياضة، حيث صرنا نسمع بالهدف “العالمي” والمدرب “العالمي” والملاعب “العالمية” التي تستغرق إنجازها في الدول المتطورة وغير المتورطة في خطاب “العالمية” أقل من سنتين، في حين لا تكاد تكتمل في اعلامنا “العالمي” بعد عقدين من انطلاق أشغالها !

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici