الأسطورة بين ملاعب الكرة ووعي الثورة تداعيات التصفير على رابح ماجر

0
313


Jan 19, 2023

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

أحدثت تصفيرات الاستهجان التي استهدفت مؤخرا نجم الكرة والناخب الجزائري السابق رابح ماجر زلزلا في الأوساط الكروية والإعلامية بين مندد ومتحفظ ومؤيد وكل انطلاق في ذلك من خلفيته بل حتى المصفرين والمصفقين معا على ماجر كانت لهم في ذلك أغراض ومواقف دافعة تحيلنا إلى محاولة قراءتها بالموضعية المرجوة وذلك بغية رصد المشهد العام الذي تحياه الجزائر اليوم والذي كثيرا ما يحضر ويتمظهر بعد إذ يختمر، في ملاعب الكرة، أكثر من أي مقام آخر، في ظل الغلق المتبع على الكلمة وضعف مستويات ومؤسسات التحليل الإعلامي اليوم.

فما دلالة التصفيرات التي استهدفت ماجر؟ ولمَ هو تحديد؟ وأكيف يمكن قراءة طبيعة ردود فعل كل الأطراف بإزاء ذلك الموقف؟

بادئ ذي بدء ينبغي الاعتراف بأنه من تداعيات مأساة التضييق على الحريات في مقابل حرية التصفيق والتزلف، عادة ما يحضر الصوت المعارض والساخط في المحيط العربي في فضاءات ومنابر عمومية وأبرزها ملاعب الكرة لما لهاته الرياضة من شعبية كبرى، وقد تجلى الأمر في أكثر من حالة، بل ثمة محطات انخرط فيها الرياضي نفسه في التعبير عن موقفه من الاحداث، أو هكذا كان يُقرأ إعلاميا وسياسيا، يتذكر الجميع في الجزائر لحظة الهزيمة المرة والكبرى لنور الدين مرسلي في سباق 1500 متر بأولمبياد برشلونة عام 1992 وهو يومها في قمة صعود نجمه عالميا، إذ اعتبرت أوساط سياسية العمل مقصود ومدبر وقتها لحرمان سلطة الانقلاب من فرصة ذهبية للدعاية لها داخليا وخارجيا، وقبل ذلك بأشهر قليلة أيضا كان منتخب الكرة بطل افريقيا 1990 قد خرج من الدور الأول من البطولة التالية التي أقيمت بالسنغال بداية سنة 1992، تم ربطها بما حدث من توقيف للمسار الانتخابي وما انجر عنه من أحداث، أما عربيا فتظل حادثة سقوط منتخب الفراعنة بسداسية كاملة أمام البلاك ستارتس الغانية في لقاء السد المؤهل إلى مونديال البرازيل 2014 الأكثر إثار ة لجدل ارتباط الرياضة بالسياسية حيث اعتبر بعض المحللين بأن الأمر كان مدبرا وأن الفاعل استهدف عدم إعطاء وسيلة للدعاية لنظام السيسي الانقلابي الباحث حينها عن شعبية مفقودة وتلميع لصورته خارج حدود مصر.

بالعودة إلى حادثة التصفير على ماجر في مباراة الجزائر – أثيوبيا في بطولة كأس افريقيا للمحليين المقامة حاليا بالجزائر، بملعب نيلسون منديلا، فقد اتضح من خلال المواقف والقراءات التي تلت الحادثة، والتي تجلت بشكل أوضح وأوسع عبر السوشل ميديا، مدى عمق الشرخ الحاصل في المشهد السياسي والإعلامي الذي أحدثه زلزال الحراك الثوري الذي أطاح بنظام بوتفليقة الفاسد، حيث كشفت طبيعة كل المواقف أن نيران الصراع لا تزال مندسة تحت رماد ذلك الحراك التاريخي وهذا حين استحضر المؤيدون للتصفير على نجم الكرة السابق تصرف الجماهير بملعب نيلسون مانديلا، ملفات الفساد، على اعتبار أن ماجر كان أحد أعوان ما يصطلح عليه في سياق التوصيف الثوري للحراك بـ”العصابة” التي كان يديرها من مقر الرئاسة شقيق الرئيس الراحل بوتفليقة، السعيد بوتفليقة ومن معه من شلة الفساد المالي كعلي حداد والمالي -السياسي كأحمد أويحيى وغيرهما.

ودليل هؤلاء أن رابح ماجر قد تمت إدانته من قبل القضاء الجزائري في قضايا فساد بخصوص عقارات حصل عليها بغير وجه حق أيام حكم “العصابة” واشهار اغدقت عليه به مؤسسة توزيع الاشهار اليد المالية للسلطة التي بها تحيي وتميت الصحافة الوطنية.

في مقابل هؤلاء وقف الرافضون لموقف الجماهير من تصفيرات الاستهجان والايهان الذي كان رابح ماجر عرضة له، باعتباره علامة جزائرية مسجلة في تاريخ اللعبة عالميا وأسطورة في كرة القدم.

لكن حجة المنددين بموقف الأنصار، تبدو في غاية الفقر من حيث زخم الذاكرة وثقافة التاريخ، إذ يغفل هؤلاء عن حقائق صادمة في التجربة الوطنية والدولية في مثل هكذا حوادث، فالنجومية والتضحية من أجل الوطن لم تشفع مثلا لأسطورة الكرة الألمانية وبطل العالم مع المانشافت عام 1974 أيلو هونس من دخول السجن بعد فضيحة مالية أدين بها وهو على رأس أحد أشهر نوادي العالم بايرن ميونيخ، فقضى فترة السجن بشكل عاد ثم عاد لمزاولة وظيفته !

ثم إن الأسطورية لا تعني مطلقا أن يعمل الموصوف بها ويعبث كيفما شاء، فقادة الثورة والكثير من المجاهدين كانوا أساطير تاريخ الجزائر التحريري ضد الاستعمار ولكن كثيرا منهم زاغ عن مبادئ الثورة في دولة الاستقلال وأفسد ولم يصلح، بل الرئيس الراحل شاذلي بن جديد أحد ضباط جيش التحرير كان طيلة فترة حكمه محل سخرية شعبية وتنكيت في الملاعب والمقاهي وكل المرافق العمومية، ولا أحد اعتبر ذلك مناف للأخلاق أو مس بـ”أسطورية” الرجل الجهادية  .

وأخير ثمة نموذج أسطوري آخر مسه الظلم هاته المرة إذ سجن بعد انقلاب 1992 رغم ما قدمه من خدمة للكرة الجزائرية وتضحيات جسام، الأمر يتعلق هنا بصالح عصاد، ولا أحد استطاع أن يدين ذلك الظلم.

هي إذن قتامة المشهد الجزائري الذي في ظل التعتيم الإعلامي والسياسي الكبرين يتفجر في حقول أخرى ينقلها الفضاء الأزرق الذي بات بديلا فعليا وفعالا لفضاءات التعتيم الرسمي تلك، تجعل الحوارات والسجالات والجدالات أكثر سخونة ووضوح، ما يؤشر حتما إلى غد غير معلوم حتى لا نقول محمود العواقب.

 فالاسطورية “الماجرية” التي تتحطم تدريجيا في الجزائر في ذاكرة الأجيال، حتى بلغت مبلغ المهانة والاستهجان بملاعب الكرة، هي صورة حية عن شاكلة تطور الوعي الجماهيري بالقضية الوطنية في مقابل شاكلة تطور عملية استهلاك السلطة لنجومية من حاموا حولها ودافعوا عنها بغرض الحصول على المزيد من الامتيازات بعد تلك التي حصلوا عليها إبان ممارستهم لنشاطهم الرياضي سواء الهاوي منه أو المحترف.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici