البريكس أو جديد “مراعي” الأمم في التاريخ والجغرافيا!

0
1617


Sep 08, 2023

بشير عمري
https://www.raialyoum.com/

فجأة صارت ظاهرة البريكس حتى قبل أن تٌرى لها أثار وثمار عل المسرح الدولي في جوانبه التصارعية الاقتصادية والجيوبولتيكية، مثار حديث الكل سواء عن دراية وبينة وبغيرها، مدحا أو قدحا، دعما أو طعنا، كل بحسب ما توحي به إليه خلفياته ومرجعياته وأقل منها حساباته على مستوى الواقع التصارعي وهذا طبعا يخص المسئولين والنخب المنخرطين طوعا أو كرها في لعبة الأمم، فهل فعلا تستحق ظهارة البريكس كل هذا اللغط وهذا الاهتمام المتنامي على مستوى الخطاب أكثر منه على مستوى الواقع؟ وما الذي يمكن أن تبرزه هاته الظاهرة من تناقضات وثغرات على مستوى المنظومات السياسية الدولية القديمة؟

هي إذا جملة من الأسئلة باتت تفرض نفسها على العقل السياسي في متقلبه العولمي الذي يبدو أنه يجمح أكثر في الخطاب عنه في الواقع، وكأن فتقا كبيرا قد حل بالتاريخ فصل بين مساري الأقوال والأفعال فيه، بحيث تبرز القوى التقليدية الحضارية المهيمنة مصرة على أصولها الفكرية والعملية الاستعمارية الاستعلائية الأولى، في حين تزعم قوى توصف بكونها صاعدة اقتصاديا وهو صعود للنموذج الامبريالي الرأسمالي في مبدئه ومنتهاه، أنه بالوسع انتزاع القيادة والريادة من الغرب في استعادة لمبادرة عدم الانحياز بشكل مجرد من إطاره الأيديولوجي التحرري وموهم بالتحرر من تجاذبات القطبية الثنائية التي كانت قد طبعت الحرب الباردة.

حيدة الريكس عن القواعد الكلاسيكية التي ميزت التجمعات السياسية والاقتصادية، بالتجرد من كل عنصر التقاء حضاري أو أيديولوجي والانشاء والانتشاء على قواعد العملة العولمية أي الاقتصاد، ليس سوى معاودة استنساخ سيناريو آخر للفشل “العالمثالثي” الذي كرسته حركة عدم الانحياز، ذلك لأن كل بادرة أو مبادرة بإنشاء “مرعى” دولي جديد، ترعى فيه أمم وشعوب شتات لا تتصل فيما بينها بصلة من التاريخ ولا الجغرافيا، أثبت التاريخ والواقع عبر التجارب السابقة أن مصيره لن يكون غير الفشل.

ولعل ما أبرز ما قد يؤكد هذا الأمر، هو الرسوخ الأوروبي الوضح في منطلقاته الوجودية الاولي وبقائه متشبثا بها من خلال صيانته لوحدته وتوسيعها في إطار الحوض الثقافي والحضاري الأوروبي الغربي الاستعماري، عبر عنها برفضه المتتالي للانضمام تركية برغم صعودها الاقتصادي القوي الذي يفوق الكثير من دول الاتجاد ممن انضمت اليه في عملية التوسعة مجتمعة، ليتواصل ايمان هذا الغرب الاستعماري بمركزيته على الحضارة والتاريخ، رغم كل الصعاب والصراعات الداخلية التي تحدثها الإرادة الريادية القصرية والهيمنية للولايات المتحدة الامريكية على الحضارة الليبرالية الرأسمالية ومسعاها الدائم لأن تظل الوريث الشرعي “لنهاية التاريخ”.

في مقابل الرسوخ الأوروبي في منطلقاته تلك، نجد أعضاء ما يسمى بالبريكس كلهم تقريبا قادمون من تجمعات إقليمية فشلت أو أفشلت في مساراتها الاتحادية أو الوحدوية بسبب قوة الرسوخ الغربي وتمحوره على عناصر الاتحاد الثقافية الحضارية فيه، استمرار بشكل وبأخر في مشروعه الاستعماري الاستكباري الأول، وهو ما يظهر في أزمة النيجر الحالية، فدول البريكس المؤسسة أو المنتمية لاحقا، بتخليها عن النطاقات الجغرافية والتاريخية تكون قد تجردت من كثير من عناصر القوة، ذلك لأن التجارب الحضارية أثبتت بأن الاقتصاد مهما بلغ أثره في حيات الافراد والشعوب فإنه يظل أبعد من أن يشكل لوحده إطارا تنمويا بشريا للأفراد والأمم على حد سواء.

وأكثر من عبر عن الحاجة الإقليمية للتطور والانتماء و”الائتمان” الحضاري كان رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون حين استقال من منصبه مباشرة بعد نتيجة الاستفتاء الشعبي بشأن البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي والتي جنح فيها البريطانيون للخروج، ما جعله يعبر ليس عن سخطه فقط عن الإرادة الشعبية تلك، بل عن الديمقراطية ذاتها التي أوصلت إليها.

من هنا يتضح بأن هذا التشكل العالمي الذي صارت تفرضه المنظومة العولمية، كشف عن أزمة كبيرة في البنى التاريخية للعصر وأبرزها ما يتصل أساسا بالعنصر الإنساني، فالديمقراطية التي سخط عليها ديفيد كاميرون لست تلك التي حلمت بها شعوب دكتها الدبابات الهيمنة البريطانية والغربية، بل تلك التي خانت سياسة النخب وطبقات “النبلاء” الحاكمة والمتحكمة في الغرب.

أما ديمقراطية البريكس فهي من منطلقها ووصولا إلى منتهاها لا حدث في أجندات قادتها ورموز الاستبداد والفساد فيها، والانسان في حقوقه ومتاعه في المشروع “البريكسي” مضمور ومطمور في الحقيبة الاقتصادية لنظم تصر على أنها وصية على شعوبها سواء بقرارات من السماء أو من الأرض.

فالخلاصة هي أن ظاهرة البريكس ليس سوى صدى لما مضى من التاريخ في جولات اخفاقاته الكبرى لبناء منتظم دولي انساني، حيث تتلاقى الأمم والدول بابعادها الحضارية والجيوبوليتيكية، وفي الوقت الذي يصر فيه الأوروبي على أوروبيته وغربيته في الاقتصاد والثقافة والتاريخ، لا يزال قادة أمم يؤمنون بأسطورة الهكسوس التي حدثنا بشأنها هيرودوت، حين اجتمع صعاليك ومتشردون من أصقاع عدة وكونوا لهم تجمعا خاصا ما لبث أباد بعد إذ استبد الخلاف بهم، فما الذي قد تقدمه أو تناله السعودية الامارات مثلا من هذا البريكس إذا ما تخلتا عن فضائهما الطبيعي “مجلس التعاون الخليجي” على علاته واعتلالاته، قطعا لا شيء، مثلما لن تنال الجزائر شيئا فيما لو قبل طلبها بالانضمام مقارنة مع فضاءها المغاربي الكبير الواعد، لو أحسنت نظمه ونخبه سواء الحاكة منها والمحكومة، نواياها وأصابت وما رسبت في قراءة التاريخ بما يكفي ويفيد

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici