“الخلطة” التي لم تداوي النظام و”الخطة” التي لن تهزم الحراك !

0
2183

بشير عمري 27/10/2019

سخط وغضب عارم عبر عنه الجزائريون بمناسبة الجمعة 36 من حراكهم الثوري الذي بدؤوه في 22 من شهر فبراير الفائت، بسبب التصريحات غير “السيدية” التي أدلى بها رئيسهم المؤقت عبد القادر بن صالح لنظيره الروسي فلاديمير بوتين بمناسبة القمة الروسية الإفريقية، ظهر فيها مستجديا مترجيا عطف وتضامن الروس في مواجهة المد الشعبي الحراكي الرافض لخط السلطة المؤقتة وتصورها لطريق الخروج من أزمة كانت – السلطة المؤقتة – المتسبب الرئيس فيها مدة 20 سنة حين عمل كل رجالاتها مع بوتفليقة في تدمير مؤسسات الدولة، وشخصنتها، وزرع كل أذرع الفساد في أحشائها.

ملامح الترهل

بن صالح أعطى بملامح الرجل الذي هده المرض صورة للحالة المرضية التي بلغها نظام لا يزال يقاوم حتميات التاريخ والبيولوجيا، ويرفض منطق النهايات، الانطباع بأن الأزمة التي تم إيقاع الجزائر فيها هي بتشعبات أكثر مما يُتصور، وأن الانتخابات القادمة حتى حال حصولها، لن تفضي بالضرورة لا إلى حل مشاكل الجزائر مع الشرعية التي تضرب بأصولها إلى فترة الاستقلال، ولا إلى مواجهة مطالب الحراك االثوري التي تترجم مستوى من الوعي الجديد يقتضي الارتقاء إليه ومهو ما تفتقر له الوجوه المترشحة لأسباب تختلف من شخص إلى آخر، في ظل امتناع شخصيات الاجماع عن الترشح، لإدراكهم بسوء نية السلطة الفعلية في الانتقال السياسي، فما الذي رامته السلطة بابتعاث بن صالح إلى موسكو؟ وما أثر ذلك على حالها وحال البلاد ككل؟ وما الذي يمكن قوله حول هذا السقوط الدبلوماسي المدوي؟

نقل التقليد من باريس إلى موسكو (افريقيا الروسية وليس افريقيا الفرانكفونية)

هي أسئلة تقودنا لزاما محاولة الإجابة عنها إلى تساؤل بشأن مرد المشاركة في هاته القمة التي باتت تعكس الأجيج الحاصل في معترك الصراع الدولي في مراحل استقطاباته، فلربما حاول من هم في السلطة تسويق صورة عن توجههم الجديد القاطع مع فرنسا، التي تدعم الأطراف المناوئة لـ”خطة” السلطة المؤدية للانتخابات، على اعتبار أن الجزائر ظلت تمتنع عن المشاركة في كل قمم فرنسا – إفريقيا لحساسية المسألة تاريخيا، وهي اليوم إذ توفد هرم السلطة المؤقت إنما تبرق بذلك رسالة بالقطع مع شكل الاستقطاب الكلاسيكي والتحول إلى فضاء جديد من التعاون عابر للثقافة منتهي عن حد المصلحة، كقيمة أساسية في عرف وميزان العلاقات بين الأمم.

بيد أن محتوى الخطاب الذي أدلى به بن صالح أمام الرئيس الروسي والملامح التي كانت يتعامل بها معه هذا الأخير، قلب كل تلك الحسابات رأسا على عقب وأفرغ المسعى من كل مضامينه، وعوض أن يثبت الرسالة إلى فرنسا كشف عن عمق أزمة النظام واحتضاره في خضم الإصرار الذي ما فتئ يظهره الشارع الثائر.

هي أزمة التحول المزدوج الكبرى للنظام

ما هي أزمة النظام الحالية؟ هو السؤال الذي كثيرا ما ينأى البعض عن طرحه، ويتغافل عنه، أو يخلط بين أزمة النظام كسبب لأزمة البلاد من ناحية وكتداع عنها من ناحية أخرى، فمعلوم أن النظام بشاكلة انبثاقه منذ الاستقلال عاش بمعزل عن إرادة الشعب، وبالتالي منفرطا ومنفلتا من المساق التطوري الذي كان يمضي عليه المجتمع من مرحلة تاريخية إلى أخرى، وهو ما كان ينتج الصدمات المتتالية بين هذا النظام وطبقات المجتمع الواعية والمضطرة في التوالد والتواجد.

لذا اعتاد هذا النظام على تحويل المجتمع قسرا إلى حيث يريد ضمانا لبقائه واستبقائه حاكما ومستحكما في مقدرات البلاد، عادة درج عليها بالتكرار ودونما ابتكار لأساليب أخرى تنأى به عن ثورات الشعب المتغير والمبتكر لآليات التغيير، واليوم ألفى نفسه أمام حتميتين لا مفر له منهما، حتمية “العادة” أن يتحول هو بالمجتمع لكن في ذات الوقت أن يتجنب أن يحوله المجتمع مثلما هو مرفوع في كل المسيرات الحركية.

وهذا ما عبر عنه الدبلوماسي السابق والمعارض الحالي عبد العزيز رحابي في معرض انتقاده لخطة الطريق التي رسمتها السلطة لنفسها حين قال “الإصرار على إجراء الرئاسيات بنفس الحكومة التي نصبتها العصابة (سعيد بوتفليقة ورئيس الجهاز الاستخباراتي السابق الجنرال توفيق) ليس له من غرض غير رفض التغيير والتشبث بالسلطة، موضحا بأن هاته السلطة كسلطة ليس لها مرشح وإنما ثمة مرشه لبعض رجالاتها بعينهم” حسب عبد العزيز رحابي.

الدبلوماسية من المدرسة إلى الشخصنة (البوتفلقة)

هي إذن متاعب نشرها كغسيل عنه، النظام المتخبط في قضاياه وشؤنه حاليا، عكس بها التعب الكبير الذي لحق بالدبلوماسية الجزائرية التي مهما قيل عن شرعية النظام التي ظلت عورته وعقدته منذ بادرة السطو على السلطة سنة 1962، ظلت متماسكة ومتزنة في الكثير من القضايا ومشكلة مصدر قواه الوحيد في مقابل مصادر ضعفه غير محصاة ومن أهمها ذاك الذي كان ولا يزال متعلقا الشأن الداخلي المتأتي عن اللاشرعيته وعجزه المستمر عن ترميمها عبر أحقاب الاستقلال الوطني.

وليس ثمة من يمكنه الاعتراض حول كون السبب الأول في أيلولة الدبلوماسية التي شكلت أنموذجها الذي نما مع بذرتها التي وضعها رجال الحركة الوطنية في الفترة التي سبقت الاستقلال، لهذا المنحدر الرهيب هو بوتفليقة الذي عمل تدميرها بشكل ممنهج، فبوتفليقة حرص طيلة عقدين من الزمن عمل تخريب الخط الدبلوماسي الجزائري، بعدما شخصنها وتولى أمرها، من خلال وضع عرائس فارغة في الواجهة الخارجي، مثل يوسف يوسفي، عبد العزيز بلخادم وكارثة عبد القادر المساهل التي كانت الأفظع والأفضح لهذا الجهاز عبر تاريخه الطويل.

هي إذا الخلطة التي سافر بها بن صالح إلى موسكو طرحها على طاولة النقاش مع بوتين على أساس أنها خطة لهزم الإرادة الشعبية وإعادة إنتاج النظام من بقاياه المتصارعة في الشارع وداخل السرايا في وقت واحد والبلد على حافة الانهيار.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici