يومية الجزائر
Édition du
12 November 2019

ما يجب إنجازه خلال المرحلة الإنتقالية

محفوظ بـــدروني

(نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

28 أكتوبر 2019

المرحلة الإنتقالية هي فترة يتم ابتداء من انطلاقها إعلان وفاة النظام السياسي القائم منذ عام 1962 و يتم خلالها تفكيك دولة الفساد والاستبداد وتجريف مخلفات منظومة الحكم الاستبدادي وهذا بإبعاد كل من ساهم في ممارسات الحكم الظالم.. و انتهاء بتأسيس جمهورية جديدة تقوم على العدل و الحرية و تضمن العدالة الإجتماعية و الكرامة الإنسانية و تؤسس لدولة الحق و القانون و المؤسسات..  خلال المرحلة الانتقالية يجب إنجاز إصلاحات حقيقية و تغييرات جوهرية على منظومة الحكم و إدارة الدولة و المبادرة بإصلاح قانوني ومؤسساتي جذري للدولة من خلال ثلاث مسارات:

أولامن خلال المسار التأسيسي:

1°)- بانتخاب و تنصيب هيئات و مؤسسات المرحلة الإنتقالية: بدء بالبرلمان الذي سيكون أعلى سلطة في المرحلة الإنتقالية.. و هذا البرلمان هو الذي يمنح الشرعية لبقية مؤسسات المرحلة الإنتقالية: رئيس الدولة المؤقت، رئيس و أعضاء الحكومة الإنتقالية، الجمعية التأسيسية، الهيئة الوطنية لتنظيم الانتخابات، مجلس الرقابة الدستورية و الهيئة العليا للسمعي البصري و الصحافة المكتوبة و الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

 2°)-  بإقرار دستور دائم للدولة الجزائرية: الذي يؤسس لدولة الحق و القانون و الحريات و يضمن إقامة نظام جمهوري يقوم على مبادئ السيادة الشعبية، التعددية السياسية، التداول السلمي على السلطة، الفصل و التوازن بين السلطات، استقلال القضاء، سيادة القانون و الحكم الراشد و المساءلة و المحاسبة.

3°)- بمراجعة جميع القوانين والتشريعات: الصادرة منذ الاستقلال بالغاء كل قانون أو تشريع أو أحكام تحد من ممارسة الحقوق و الحريات العامة الفردية و الجماعية و تجميد العمل بالقوانين و التنظيمات التي تتعارض مع مبادئ النظام السياسي المنشود و إصلاح القوانين لضمان الممارسة الحرة للعمل السياسي و الجمعوي و تضمن انتخابات حرّة ونزيهة وخالية من التزوير، و إنشاء هيئات تضمن نشاط إعلامي حرّ و مسؤول ومستقل.

4°)- بإعادة النظر في جميع الاتفاقيات و المعاهدات: التي أبرمها النظام غير الشرعي مع الدول و الشركات الأجنبية و العمل على تعديلها أو إلغائها إن اقتضى الأمر بما يحفظ مصالح الشعب و مقدرات الدولة الجزائرية.

5°)- بإقرار منظومة قانونية تتعلق بالنظام الإنتخابي: تشمل قانونانتخابي يحقق منافسة سياسية حقيقية و يضمن انتخابات حرة و نزيهة و شفافة كما تتضمن تأسيس سلطة وطنية تتولى مهام تنظيم الإنتخابات و تقسيم الدوائر الانتخابية والذي على أساسه تجرى أولى انتخابات نيابية، و رئاسية و محلية في ظل النظام السياسي الجديد و في إطار الدستور الدائم للدولة.

ثانيا من خلال المسار الثوري:

بالتصدي للثورة المضادة و البدء بتفكيك الدولة العميقة بعدم تقديم من كانوا في النظام الاستبدادي لتصدر المشهد (و إن تابوا)، مباشرة عمليات تطهير مؤسسات الدولة و الهيئات العمومية من منظومة الفساد و الاستبداد و أعداء الحراك الثوري و أعداء التغيير و الفاسدين بما يضمن أن تكون أساسا في خدمة الشعب و الدولة و هذا في مختلف القطاعات بإقرار و سن قوانين ذات طابع ثوري مرحلي تهدف إلى القضاء على منظومة الفساد و الاستبداد و استئصالها نهائيا و اجتثاثها من الجذور من خلال:

1°)- منظومة العدالة الانتقالية: و التي تقوم على مبادئ الحقيقة فالمصارحة ثم العدالة فالمصالحة، و تضمن إجراء القصاص العادل في حق كل من تورط في الإجرام ضد المواطنين و انتهك حقوق الإنسان و تحقق سرعة الوفاء لحقوق الضحايا، و اتخاذ كل ما يلزم لبلوغ العدالة الناجزة والفاعلة في هذا المقام.. و هذا بالبحث و التحري و التحقيق في كل أشكال و أنماط الإنتهاكات المنتظمة المسجلة، و الكشف عنها أمام الرأي العام الوطني، و إجراء المتابعات القضائية و المحاكمات العادلة ضد المسؤولين و الأفراد المنفذين و تفعيل القصاص العادل و إنهاء سياسة الإفلات من العقاب و إقرار التعويض و جبر الضرر ثم بعد ذلك إجراء المصالحة المجتمعية.

2°)منظومة مكافحة الفساد: و التي تضمن الكشف عن كل قضايا الفساد واسترداد ثروات الشعب المنهوبة بالداخل و المهربة إلى الخارج مع تشديد العقوبات ضد المتورطين في قضايا الفساد و إسقاط التقادم عن المتابعة و العقاب و إنصاف الضحايا و المبلغين عن قضايا الفساد..كما تهدف إلى تطهير المؤسسات و الهيئات القائمة من العناصر الفاسدة، و دعم الشرفاء والكفاءات والخبرات من أبناء هذه المؤسسات وإعادة بنائها على أسس سليمة.

3°)منظومة تنظيم الحياة السياسية: و التي تتضمن إقامة الحياة السياسية على أسس سليمة و حظر جميع الأحزاب و التنظيمات و الجمعيات التي شكلت قاعدة دولة الفساد و الاستبداد و إقرار إجراءات العزل السياسي لمن تورط في الفساد و الاستبداد و تهدف إلى تطهير الممارسة السياسية مما شابها خلال فترة الحكم الاستبدادي عن طريق تأطير مباشرة الحقوق السياسية والمدنية بوضع ضوابط قانونية و أخلاقية صارمة تهدف بالأساس إلى إبعاد محترفي السياسة و سماسرة الإنتخابات من أن يكون لهم يد في رسم المشهد السياسي و إدارة شؤون الدولة.

ثالثا – من خلال المسار الإصلاحي:

إنجاز إصلاح شامل في جميع المجالات السياسية و الإدارية و القضائية و الإقتصادية و الإجتماعية و التعليمية و الثقافية و غيرها من المجالات يهدف إلى تهيئة الأوضاع و الأرضية أمام الحكومات المستقبلية بتجريف مخلفات النظام الاستبدادي البائد و تصفية آثاره المدمرة على العباد و البلاد و تسوية لمخلفات منظومة الفساد و الاستبداد و العمل على تفكيكها و هذا بالبدء بإجراء إصلاحات جوهرية و تغييرات عميقة في مختلف المجالات و شتى القطاعات من خلال:

1°)- المحافظة على استقرار الوضع الأمني و المؤسساتي: بإعطاء الأولوية الكبرى لاستعادة الأمن العام و السلم الإجتماعي و مواجهة كل محاولات زعزعة الإستقرار و تكدير السلم و الأمن وهذا ببسط سلطان الدولة و ضمان الأمن الداخلي و محاربة بؤر الصراع و إزالة مكامن التوتر في المجتمع و مع دول الجوار مع ضمان السير العادي للمؤسسات الإدارية و الإقتصادية و الإجتماعية و ضمان استقرار الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية و المعيشية لعموم الشعب.

2°)- العمل علي تحقيق العدالة و رفع المظالم: التي طالت المواطنين بإسقاط جميع العقوبات الظالمة و الأحكام القضائية الجائرة و القرارات الإدارية التعسفية مع تعويض المتضررين تعويضا عادلا و إنشاء هيئة إدارية قضائية (ديوان المظالم) تختص بالنظر في جميع المظالم التي طالت المواطنين منذ عام 1962 و إلغاء البوليس السياسي و غلق مراكز الاعتقال و التعذيب و تحقيق العدالة بالغاء الامتيازات غير المبررة التي تمتع بها مسؤولو النظام الإستبدادي الفاسد.

3°)- توفير الشروط لممارسة الحقوق و الحريات العامة و الفردية: بالإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين و عودة المواطنين المنفيين إلى الخارج إلى أرض الوطن و العمل على ضمان و احترام حقوق الإنسان والحريات العامة، و سيادة القانون والمواطنة والحفاظ على كرامة الإنسان و العمل على استعادة السيادة الشعبية و تفعيل المنافسة السياسية و السعي إلى إرساء دولة الحق و العدل و الحريات، دولة القانون و المؤسسات و تسيير المرحلة الإنتقالية بما يضمن ممارسة ديمقراطية سليمة و توفير مناخ صحي لإجراء انتخابات حرة و نزيهة.. و استعادة حيوية المجتمع المدني وتحريره من تبعيته للسلطة التنفيذية وتمكينه من أداء دوره الريادي كقاطرة للتنمية والنهوض و إطلاق حرية تكوين الجمعيات الأهلية و منظمات المجتمع المدني و المنظمات غير الحكومية و منظمات المجتمع المحلي مع تكريس حرية الإعلام وتداول المعلومات وحرية التنظيم النقابي، و سن القوانين والآليات والإجراءات التي تضمن ذلك.

4°)- العمل على تحقيق الدولة المدنية: و هذا بوضع منظومة قانونية و خطة عملية تهدف إلى إخضاع الجيش و مصالح الأمن المختلفة للدستور و القانون و السلطة المدنية الشرعية و تمنع العسكر من التدخل في الشأن العام و المجال السياسي و تبعدهم تماما من أن يكون لهم يد في رسم المشهد السياسي مع إعادة تنظيم القوات المسلحة العسكرية و إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بما يحقق مبدأ مدنية الدولة و بما يتوافق مع المهام التي يجب أن تضطلع بها هذه المؤسسات في ظل الدولة الديمقراطية.

5°)- التصدي للمشاكل الإقتصادية العاجلة و التنمية الإجتماعية: بسن قوانين واتخاذ إجراءات من شأنها محاربة الممارسات الإقتصادية والتجارية غير المشروعة و إرساء قواعد اقتصادية شفافة تمكن من تحقيق انطلاق نهضة إقتصادية شاملة و التوزيع العادل للثروة، و معالجة الإختلالات كمشكلة الفقر و البطالة و معضلة التوازن الجهوي و تحقيق الأولويات و توفير الضروريات، محاربة التبذير وهدر الموارد،  معالجة الإختلالات و التجاوزات، إزالة أسباب الفشل و الإخفاقات، القضاء على مظاهر القصور و النقص، ، بإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مجال المحافظة على  المال العام و مقدرات البلاد، و وقف النزيف في هدر الممتلكات العمومية.

6°)- العمل على استرجاع المكانة الدولية للجزائر: بتحقيق الاستقلال الوطني الكامل للجزائر، حماية الوحدة الوطنية و السلامة الإقليمية للبلاد و رفض التبعية و التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي، تفعيل دور الجزائر الإقليمي و الدولي على أساس الاحترام المتبادل، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول و المحافظة على المصالح المشروعة للدولة الجزائرية،  النأي بالجزائر عن سياسة المحاور و الأحلاف، مناصرة حركات التغيير و القضايا العادلة و الشعوب المضطهدة في العالم و على رأسها قضية فلسطين، العمل على تحقيق الوحدة الشاملة لبلدان المغرب الكبير ثم البلاد العربية فالبلاد الإسلامية – على غرار دول الإتحاد الأوروبي – كمرحلة أخيرة و العمل على إحداث تغيير جذري في العلاقات الدولية و إصلاح شامل للمؤسسات الإقليمية و الدولية بما يتوافق مع مبادئ الديمقراطية و العدالة و المساواة و بما يتناسب مع احترام سيادة الدول و التنوع الحضاري للشعوب.

في الختام نؤكد و نلح على أن سياسة الإصلاح تهدف أساسا إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، دعم ما هو سليم و صحيح و إزالة ما هو فاسد و خاطئ مع تظافر الجهود و الإرادات المخلصة و دعم الأشخاص الذين يتولون مسؤولية الحكم و إدارة الدولة خلال هذه المرحلة الحرجة مهما كانت اتجاهاتهم و توجهاتهم خدمة للبلاد و العباد و مساعدتهم على حسن إدارة الدولة بالمشاركة البناءة و النصح و الإرشاد و تقديم المشورة مع مراعاة التدرج و المرحلية و أن ما لا يدرك كله لا يترك جله.


Nombre de lectures : 1740
Pas de commentaires

Laisser un commentaire

*

*

Lire aussi