أنا كريم طابو.. أعاهدكم على النضال حتى حل البوليس السياسي

1
2505
Nadjib Belhimer

اقتربت الساعة من الرابعة فجرا.. الحضور في قاعة الجلسات بالطابق العلوي من محكمة سيدي امحمد يستمعون بتركيز كبير لكريم طابو وهو يقول كلمته الأخيرة في محاكمته التي كانت قد انطلقت قبل نحو ثمانية عشر ساعة، كان ينتقي كلماته بعناية ويتحدث بهدوء ” عندما دخلتم أنتم القضاة في الإضراب سمعت منسق النقابة يتحدث عن أن الحركة في سلك القضاء مست عددا كبيرا منكم، وكان من بين اعتراضات القضاة أن أولادهم يتأثرون بسبب هذه الانتقال إلى أماكن أخرى ويضطرب تمدرسهم، وحينها فرضت علي مقارنة نفسها، وقلت إن هناك ثلاث فئات في الجزائر؛ أولئك الذين سلموا البلاد لأولادهم، وفئة الذين يخشون على أولادهم، وفئة ثالثة حرموا من أولادهم، وفي الحبس كثيرا ما كنت أردد أبيات النشيد الوطني وأقول اشهدوا اشهدوا واليوم أقول لكم اشهدوا انني رفضت أن يراني أولادي في السجن حتى لا تبقى تلك الصورة في ذاكرتهم.. لقد تعهدت أمام الله والشعب على الاستمرار في النضال من أجل دولة القانون ومن أجل حل البوليس السياسي ومن أجل دولة مدنية لا عسكرية” .. كان كريم، كما كانت تنادي عليه القاضية، يريد أن يسترسل لكن رئيسة المحكمة قاطعته ” إن المحكمة تعطيك الحق في كلمة أخيرة وعليك أن تختصر” كان هدف القاضية طيلة اليوم الطويل للمحاكمة هو ألا تتحول المحكمة إلى منبر يعتليه هذا السياسي “الشرس” ليحاكم النظام كما فعل صديقه السجين السابق فضيل بومالة.
دخلت القاضية القاعة وهي عازمة على التحكم في مجريات المحاكمة، فالأجواء في محيط المحكمة طبعها حضور كبير لمواطنين من العاصمة ومن خارجها جاؤوا للتضامن مع كريم، وقد كانت هتافات هؤلاء، وهم يرددون شعارات الحراك، تصل إلى مسامع القاضية قبل أن تأمر بالانتقال إلى قاعة الجلسات في الطابق العلوي بعد أن ضاقت القاعة بالمحامين، الذين فاق عددهم المائة محام يمثلون مختلف جهات البلاد.. كان الرهان هو منع كريم، والدفاع أيضا، من السيطرة على القاعة وتحويل المحاكمة إلى وجهة السياسة، وكانت الخطة تقتضي مقاطعة المتحدث كلما كان هناك “خروج” عن الموضوع لكن المهمة بدت مستحيلة باعتبار أن الاعتقال من أساسه كان خروجا عن القانون وهو أمر أشار إليه الدفاع عندما قدم دفوعه في الشكل وأشار إلى أكثر من خرق في الإجراءات ليس أقلها شأنا غياب أمر بالإحضار، وغياب شهادة طبية، ثم إن قضية كريم بالذات شهدت تطورات غريبة عندما تم إطلاق سراحه بقرار من قاضية تيبازة ليعاد اعتقاله في صبيحة اليوم الموالي.
اختار طابو أن يضع القضية في إطارها السياسي من اللحظة الأولى “أنا متابع لأنني أمارس السياسة” ترد القاضية “أنت هنا متابع فقط بصفتك مدنيا” هذه المقاطعات التي أثارت غضب المحامين، وتذكير القاضية بعدم “الخروج” عن الموضوع لم يثن طابو عن الرد “لقد بدأت التحقيقات معي بصفتي رئيس حزب غير معتمد (…) لا يمكن فهم معنى هذه التهم دون الحديث عن السياق السياسي الذي جاءت فيه”.. كان الخطاب دقيقا وواضحا ويذكر بأن المسألة تتعلق في النهاية بمنع الجزائريين من ممارسة السياسة الحقيقية التي تعني التوجه إلى الشعب وتجاوز الأطر التي فرضها النظام والتي تجعله متحكما في اللعبة بقواعدها ومخرجاتها.
وسواء تعلق الأمر بتهمة المساس بالوحدة الوطنية أو التحريض على العنف فقد ظل يعيد القضية إلى ما يراه أصلا للمشكلة “هناك مئات المتابعين بنفس التهم في نفس الوقت.. المتابع الحقيقي هو الحراك، والحراك هو التجسيد الفعلي للوحدة الوطنية” وعلى هذه الخلفية سيذكر طابو أن هناك جهات تحرض على الكراهية وتمس فعليا بالوحدة الوطنية لكنها لا تتعرض للمتابعة القانونية لأنها بكل بساطة موالية للسلطة.
المتهم بالتحريض على العنف يرد “عندما اعتقلت تم اقتيادي إلى عنتر” لم تكن المعلومة جديدة فقد نشرتها وسائل الإعلام في حينها لكن المثير كان رد فعل القاضية التي سألت “ما معنى عنتر ؟” يرد طابو “عنتر ثكنة”، كان هذا التبادل القصير بين طابو والقاضية خلاصة الوضع القائم في البلاد، بل هو خلاصة ما يجب أن يتغير، ما قالته القاضية سابقا “أنت تحاكم كمدني” ينهار عندما يتحول الحديث إلى ذكر الثكنات، ثم تأتي الرواية الأثقل عن التعنيف والسب والشتم الذي تعرض له، ثم عما قيل له بخصوص مرشح الرئاسة في تونس الذي بلغ الدور الثاني وهو في السجن، أمر فهمه طابو على أنه مساومة ردها بالقول “أنا لا أبيع ولا أشتري”، ولعلمه أن ما قاله يبقى مجرد رواية رفع التحدي في وجه وزير العدل أن يفتح تحقيقا فيما تعرض له من تعنيف في عنتر.. لم يكن هناك من سيرد على روايته في قاعة المحكمة التي يجلس فيها وكيل جمهورية صامتا واكتفى بالتماس حكم بأربع سنوات حبسا نافذا ومائتي ألف دينار غرامة مالية، لكن الرد سيأتي من الأستاذ مصطفى بوشاشي الذي قال في ختام مرافعات الدفاع إننا لسنا بحاجة لطلب تحقيق من وزير العدل لأن الجزائر التي صادقت على الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب ملزمة بنص المادة 12 من هذه الاتفاقية بأن يفتح النائب العام تحقيقا بمجرد أن تدلي بهذه الشهادة، لكنني أعلم يا كريم انه لن يفعل ذلك لأننا لسنا في دولة سيادة القانون.
لقد حضرت الجهة الخفية في حديث كريم طابو عن عنتر، والتي ظل الأستاذ بوشاشي يذكرها بوصفها السلطة الفعلية، وهي نفسها الجهة التي ركز عليها الأستاذ عبد الغني بادي في مرافعة تحدث فيها عن تغول الأجهزة الأمنية مستغربا الحضور الكثيف لقوات الدرك داخل قاعة المحكمة ما أدخله في مواجهة مع القاضية التي رد عليها بالقول إن هذا التجاوز هو إهانة للقضاء وللنيابة العامة، وفي كل مرة كانت الإحالة على الحراك بلغة بادي أو الثورة السلمية بلغة بوشاشي، باعتباره هو المستهدف من هذه المحاكمات التي يغيب فيها القانون ويوضع أصحابها في السجون بملفات فارغة.
خيمت الذكريات الحزينة لسنوات التسعينيات على القاعة عندما كان الأستاذ بادي يقول بأن عملية اختطاف طابو كانت مستعارة من ذلك الزمن الذي عاد إليه الأستاذ بوشاشي وهو يذكر بأن هذه القاعة هي التي شهدت محاكمة عبد القادر حشاني، وأنها شهدت محاكمات أخرى لمناضلين سياسيين من تيارات مختلفة كان ذنبهم أنهم أرادوا التغيير، وذهب أبعد في فتح الجرح عندما عقد مقارنة بين ما حدث لطابو وما كانت تفعله المحاكم الخاصة والأجهزة الأمنية في تسعينيات القرن الماضي وكيف كان يتم اختطاف مواطنين من محيط المحكمة بعد أن يأمر قاضي التحقيق بإطلاق سراحهم لينتهي بهم الأمر على قائمة تضم آلاف المفقودين.
كل ما فصله طابو من مواقف، وما أدلى به من شهادات، وما شرحه الدفاع من خرق للإجراءات، تراكم كأدلة تدين نظاما لا يقيم للقانون وزنا، ويضع القوة كأداة وحيدة لفرض حكم يرفضه المجتمع، أداة تجلت فيما فعلته الشرطة لتفريق الجموع التي بقيت في محيط المحكمة من ساعات النهار الأولى إلى قرابة منتصف الليل.. بعدها بأربع ساعات كانت القاعة تهتز على وقع شعارات الحراك عندما أعلنت القاضية تأجيل النطق بالحكم أسبوعا آخر سيقضيه كريم طابو في زنزانة انفرادية بسجن القليعة حيث يدفع ضريبة غالية من أجل بناء دولة يعلو فيها القانون على القوة.

1 COMMENTAIRE

  1. L’histoire retiendra le NOM de tous ces magistrats qui ont pris par à ce procès et les noms des participants de tous les autres procès. Nous sommes à l’ère des TIC et le VAR les rattraperas Une à Une et Un à un.

    J’espère que ce jour-là, elles et ils se défendront vaillamment comme l’a si bien fait l’innocent et valeureux Tabou , Boumala , Laalami et d’autres citoyens honnêtes …

    Ces magistrats n’auront aucune circonstance atténuante. Elles, ils ne pourront même pas formuler la réponse de Sellal كنا خضرة فوق طعام car contrairement à ce guignole ,vous, vous avez envoyé des innocents en taule,vous avez endeuillis et séparés des familles, vous avez brisé des vies et anéantie des espoirs Alors que votre noble métier était de défendre le droit et la loi …Vous avez faillis a votre noble mission , aucune justice,aucune religion et aucune conscience ne vous pardonnera ..l’histoire vous a déjà jugé , le peuple le referas dans l’Algérie de demain. Ce jour on erigera des stèles aux juges injustes et on transformera les centre de Torture tel Abla (Antar) ou les pires sévices furent subis a des Algériens sans qu’aucun juges n’eut oser ouvrir une enquête depuis l’independznce. Nos enfants et les générations futires doivent savoir la vérité toute la vérité.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici