ثلاثية الملمح السياسي الجزائري لوطن محتبس في قاعة الانتظار

0
83

بشير عمري24 أغسطس، 2020091
https://22arabi.com/

الملح السياسي الجزائري
 أزمة الجزائر الاقتصادية

ليس من شيء أجمع حوله الجزائريون والمهتمون بدراسة أزماتهم التاريخية من الإجماع على التأكيد بأن بؤرة الأزمات هي سياسية بامتياز، وسيظل حلحلتها مؤجلًا ما استمر النظام في فرض حلوله التي ليست في حقيقتها وطبيعتها سوى أدوات الهروب إلى الأمام طالما أنها تقفز على حقائق الواقع المتغير، يتغاضى النظام عن كونه أحد أطراف الملح السياسي الجزائري ويرفض هذا النظام المحتبس في لحظة ولادته الأولى، النظر إلى حقائق الواقع بوصفها شرطًا وحتمًا تاريخيًا يقتضي النزول عنده.

لذا يسارع النظام في سعي أضحى بلا جدوى إلى إبعاد سببية السياسة في الأزمة الوطنية التي تعيشها البلاد مذ انهار مشروع الاشتراكية البومدينية، إلى محاولة تضخيم أعراض الأزمة وجعلها أساسها وجوهرها، كالبطالة، الأزمة الاقتصادية العالمية، وأخيرًا لمواجهة ثورة الحراك الغيرية الكبرى بحسبانها جرس الوعي الجديد المؤذن بضرورة الخلاص من منظومة حكم استفدت زمن وقوة صلاحياتها. وأصبحت بالتالي تهديدًا لصحة الوطن والمجتمع ككل.

لجأت الدولة إلى أسلوب التطهر الجزئي من خلال التضحية ببعض رموز الفساد من نظام الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، وليس من منظومة حكم جاءت ببوتفليقة ومن سبقه ومن تلاه من رؤساء وساسة يصر من استولى على مقاليدها آليًا على استمرارها ولو على حساب المنطق ومصير الأمة. ما يثير عدة تساؤلات أهمها كيف يمكن قراءة ملمح السياسة بعد فشل مشروع الأحادية ثم إفشال عهد التعددية، وأخيرًا تحطم وَهم الزعامة الفردية والأسرية البوتفليقية على الطريقة الملكية التي فُرضت بقوة الإغراء والتضليل قبل أن يكشف الفساد زيفها؟

يمكن ملامسة الملح السياسي الجزائري عبر ثلاثية الأطراف التي ظلت نسبيًا تتناكف وتتناسف حتى من أجل فرض منطقها في ظل استحالة إيجاد التداعي التلقائي للمصلحة العليا للبلد بسبب عنت منطومة الحكم وهذا منذ تلك اللحظة المأزومة التي سرقت فيها الشرعية وعُبث فيها بشرف الثورة وتوصياتها سنة 1962.

السلطة كطرف أول فاعل في أزمة السياسة واحتباسها عن التطور، فهذه السلطة المتولدة عن خطيئة 1962 كما أشرنا انتقلت من كونها سبب أزمة البلد بكامله إلى سبب أزمتها الخاصة، وهذا على ضوء حالة الغربة التي تعيشها بفقدانها للكثير من عناصر القوة الدافعة الأولى التي كانت تتيها لها الظروف الدولية وفقر التاريخ (الإعلام الهزيل مقارنة بما هو عليه الحال اليوم) انطفاء وهج الوطنية الثورية الأولى، وأخيرًا تغير مصادر الطاقة الأولية في اقتصاديات العالم وتقلص بالتالي مصادر التمويل، كل ذلك أضعف من هوامش المناورة والمؤامرة التي كان عقل النظام يواجه بها خطابيًا وأمنيًا دعوات الإصلاح والتغيير.

واليوم، تبدو منظومة الحكم جراء سيل الحراك بزخمه الهادر الكاسر الذي جرفها كما لو أنها أخذت على حين غرة، متخبطة تبحث عن سبل جديدة لها الوسع والقدرة على الإقناع بنية التحول الذي يفرضه الحراك لكنها تفشل في ذلك لأنها قطعت كل أساس تواصلي مع الواقع الذي كانت تحسب أنها مسيطرة عليه وتوجهه، في زمن لم يعد للسلطة والنظم السياسية تلك القدرة على الهيمنة على وعي الفرد فما بلك بالشعب الذي قطعته من خلال تكسيرها للأحزاب، تدجينها للتعددية، إفسادها للسياسة بقصد وضعها موضع السوء في نظر وعقل المواطن ما يجعله ينفر منها، وحين جاءها هذا المواطن مغاضبًا من فاسدها وسوء إدارتها لمصالحه مطالبًا بتنحيتها فرعًا وجذرًا، أدركت أن سحرها انقلب عليها، فراحت كدأبها حيال كل أز يأزها أو هزة تهزها تلجأ إلى طرف وسيط بينها وبين الشعب، اعتاد لعب دور الخدم للنظام؛ ونعني به هنا ما يُنعت جزافًا وزيفًا أحيانًا بالنخب.

Mgid

OLYMP TRADEهل لديك ما يكفي من المال؟ إبدأ للحصول على المال?إعرف أكثر→

تعد النخب إذن الطرف الثاني الذي يشكل الملح السياسي الجزائري في تفاعله مع الأمة الوطنية الكبرى في آخر تطوراتها التي أفرزها الحراك الشعبي، فالنخب بالجزائر في عمومها لعبت دورًا سلبيًا في مسيرة النضال من أجل الوصول إلى إعادة البناء الوطني وتصالحه مع تاريخه، فهي إذا لم تتحالف لـ”تتعالف” مع النظام (أقصى ما يمكن أن تلتزم به كخيار صحيح) فإنها لن تتفاعل مع الشعب ولن تنضم إليه، لأسباب تظل متعلقة خاصة بطبيعة الصراعات الأيدولوجية التي تتمظهر خاصة في الوسط الشعبي بوصفه أداة تفعيل المطلب الأيدولوجي ومسرح تفاعله، لا سيما بعد أن تمكنت السلطة من إفساد الأحزاب السياسية وإفراغها من محتواها ومصداقيتها لذا القواعد الشعبية، وتجريدها من مبررات وجودها الفكرية والثقافية حتى استحالت قاصرة في طبيعة نشاطها على إصدار بيانات لا يقرأها أحد تسمع هي (الأحزاب) من خلالها هي وتستمتع لأصداء نفسها لا غير!

وهكذا، غزّت أصوات مما تنسب إلى النخب البلاتوهات التلفزيونية الخاصة والعامة تعزز أحيانًا تلميحًا وفي أحايين عدة تصريحًا، طرح السلطة وتتهم الحراك وتصفه بالغوغائية، إلى درجة أن بعض المختصين في علم الاجتماع ممن لم نكن نسمع لهم ركزًا ولا همسًا في النقد السياسي بأصوله النظرية وإسقاطاته الواقعية، صاروا أشهر من علم في عصر الحراك إذ راحوا يسقطون بانتقائية كل نظريات المعرفة حول التغيير، الإصلاح والثورة على مفهوم الثورات الشعبية ومشكل خلوها من الفكرة ومن التنظيم ومخاطر ذلك على المجتمع والساسة والوطن! في تغاض تام ومقصود عن خصوصية اللحظة الثورية واستحالة انبثقاها الإجرائي من العدم أو من اللاوعي في إضمار للسبب الثوري متعمد وانزياح تام عن إرادة الشعب.

هذا الشعب الذي وعكس طرفي الملح السياسي الجزائري السابقين (سلطة ونخب)، كان الوحيد الذي أبان عن قدرة كبيرة في التغيُر والتغيير والإرادة الصادقة في فرضهما على أرض الواقع. فإذا كانت السلطة عاجزة لأسباب ذاتية متعلقة بها وموضوعية خارج إرادتها ومتصلة بحقائق الواقع وتقلبات التاريخ قد عجزت عن التحقيق التغيير الفعلي بداخلها والاكتفاء في ذلك شكلًا، والنخب مسمرة في حال وعييها المتعالي بالبرج العاجي حينًا والمتواطئ مع السلطة في أحايين عدة دونما الانقلاب صوب الشعب، فإن هذا الأخير ومن خلال تنامي وعي قطاعاته وفئاته وحساسيته كان في كل مرة يطرح متغيرًا جديدًا في المعادلة السياسية الصعبة، غير أن دوائر التدبير التي تتحكم فيها سلطة متهالكة تاريخيًا ناضبة للخيال السياسي متشبثة بالعرش بوصفه غنيمة لا غير، تعمل على عرقلة وفرملة هذا الوعي والحيلولة دون انبساطه على أرض الواقع وقيادته للمجتمع نحو آفاقه الواعدة.

وقد تجلى تفرد الشعب بالتغيير والتغير ووعيهما في الحراك، بإيقاعه للسلطة في زمة بنيوية كبرى تشهد بها المعارك الداخلية التي تعيشها باستعمال كل الوسائل كالقضاء وغيرها، كما واتضح في طرد الأحزاب المفسد منها والفاسد ومن سكت عن الفساد باعتبرها كلها شريكة في المنقلب الصعب الذي ألقي فيه أتونه البلد.

هي إذن ثلاثية الملح السياسي الجزائري الفاعل في البلاد محتبسة عن التغيير في قاعة الانتظار وذلك من خلال إرادة قديمة في إفشال كل مسعى لتفعيل حركة الوعي المجتمعي المتنامية بشكل طبيعي مع تطور واتساع رقعة التعليم وارتقاء في وعي الناشئة من قبل سلطة هاجسها الأول يظل تلافي منح روح جديدة للوطنية الاجزائرية التي أنهكها عبث العابثين بالشرعية ومصير شعب هوايته كانت دومًا دخول وكسب التحديات.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici