المخفي من مخاوف التأسيس الجمعي للدستور !

0
34

https://alsiasi.com/
بشير عمري

ليس ما يفرق بين دول العالم من حيث سلامة البنية وسلاسة المسارات العمل الوطني سوى سيطرة سلطة القانون على كل مؤسسات الدولة، فلا شخص ولا جماعة ولا فكرة بوسعها أن تفلت عن مدار الاجذب ولتأطير القانوني الذي يغطي كامل حدود الحركة داخل الوطن، والأمم التي تمتثل لهذا الاطار قضت على كل مشاكلها السياسية وتحكمت في تدافعات أصحاب الرأي وجماعات النفوذ وحققت الفقزات المرجوة في التاريخ، أما الدول التي ليس فقط، لم يسيطر فيها القانون على الجميع بل يُسيطر عليه من قبل البعض ليُسلط على الجميع، فقد ظلت عاجزة عن تحقيق مجرد الاقلاع باتجاه الافاق الموعودة خطابيا دون حركة من ساسة وحكام أصحاب هذا الثقب في المنظومة الذي يُعجز أزليا الوطن والمجتمع عن النمو والتطور ويبقيه يدور في حلقته الفارغة الأولى.

وفي هذا الاطار تحديدا أنتقد سفيان جيلالي رئيس حزب الجيل الجديد المقرب من دوائر السلطة حاليا موقف المسايفة الحاصلة بين فرقاء الهوية المرسومة في الدستور المعروض على الاستفتناء في الفاتح من نوفمبر القادم، مستغربا من ثائرة هؤلاء على الرغم من أن مثلث الهوية الاسلام، العربية والامازيغية، نصت عليهما كل الدساتير السابقة من دون أن يثار حول ذلك جدل بالحدة الحاصلة اليوم.

وحسب المتحدث دائما أي سفيان جيلالي، هكذا موقف إنما يؤكد صحة وسلامة رأي الرئيس عبد المجيد تبون حين طلب من لجنة إعداد الدستور التي ترأسها لعرابة بعدم فتح ملف الهوية الملغوم، كما ويبطل دعوة الداعين إلى مجلس تأيسي كون ذلك سيشهد حربا ضروس حول الهوية قد لا يخرج منها أبدا.

هنا نتوقف حول جزئية مهمة جدا في إشكال الهوية التي تأتي في سياق ثورة الحراك الشعبية، لنُري للاستاذ سفيان أن في التاريخ تتغير المواقف وتتطور الافكار وتجمح الرغائب حين تتحرر الضمائر وينجلي الوعي، فالفترات التي لم تشهد احتاجا على ثلاثية الهوية كانت فترات ركود سياسي وقهر وتوظيف العنف بأشكال متعددة لترويض الأصوات المخالفة، ولكن حين كسر الشعب كل ذرائع وجُدر الخوف سيظهر ما يبطنه من مراجي وطموح وأشياء تعلق بوعييه، وهذا في حد ذاته قد يعبر عن حقيقة الثورة الحراكية وينقض القول الذي يريد اختزالها في احتجاج على عهدة خامسة، إذ يظهر الاحتجاج من خلال زخم المطالب التي اندفعت بقوة الحراك المدفوعة بدورها بحجم الوعي المبلوغ، أنه (الاحتجاج على العهدة الخامسة) لم يكن سوى شرارة لثورة ظلت خامة ومختزنة بكل أشيائها في الضمير الوطني.

أما عن المجلس التأسيسي كإطار لرسم الدولة، فرفضه لمن حسنت نيته، فهو ينطلق من وعي قديم خاطئ بث في ضمائر الناس من أجل التحكم فيها واسترهابها من نفسها، إذ بمجرد القول بأن الهوية خطر على الشعب فإن ذلك يعني التأكيد على أن الشعب ليس متماسكا بوعي العيش المشترك الذي نسجته قرون عدة من الوجود التاريخي للأمة وأن ثمة آلية أو جهة أو تيار هو من يضمن تلك الوحدة بل ويفرضها وإذا ما راح هذا التيار أو الجماعة راحت معه الوحدة وانفرط عقد الوطن، وهنا تحديدا يمكن ويسكن الاستبداد، الحاجة المصطنعة غير الوعي لضمان بقاء الوحدة الوطنية أخطر ما يتهدد البلد وأكبر من يعيق الاقلاع الوطني!

واضح إذن أن مخاوف البعض بخصوص التأسيس الرمزي للدولة وفق مكونات تنوعها الأساسية في العرق والثقافة إنما هي وسيلة لملء فراغ المشروع الوطني الذي سقطت فيه دولة ما بعد الاستقلال نتيجة استحواذ العسكري على السياسي وعسكرة السياسة ثم تسييس العسكر، لهذا ظلت كل الأطر القانونية التي تضخمت في النصوص وهزلت بل وغابت في الواقع أداة ايهام وإلهاء صناع الخطب السياسية والمتعاكرين في سوح وسفوح الفراغ الوطني!

فطالما أن مسار النضال لتحرير السياسة من هيمنة القهر والتوجيه، فكل ما سينتج عن سلطة القهر هاته من مؤسسات ونصوص لن يعدو الاطار الصوري والشكلاني الذي صار خاصية بل ومدرسة جزائرية خاصة في السياسة والحكم، سلطة برأسين ظاهر وباطن، نصوص تمنع الانحراف ولصوص تمتنع عنها وتحترف الانحراف، حتى بلغ بالدولة ما بلغ من فضائح العصابة الصغيرة التي يتم محاكمتها اليوم جعلها أضحوكة العالم والكل يتساءل أين كان مصلح أجهزة الرقابة العاطلة حتى يحدث كل ذلك النزيف من الاموال والخيرات، ليصل إلى قناعة أن تلك الاجهزة والمؤسسات المنصوص عليها بكثرة في النصوص معطلة ومعطل معها من يفترض أنه مصلح العطل!

فاحتكار العملية السياسة وإدارتها وتنظيمها واعتماد نشطائها وفق انتقائية، من سلطة القهر يعني أن هاته السلطة هي من يسوغ لها خلق وخرق الدستور وقتما ما شاءت وكيفما شاءت لأنها ببساطة تخشى على الوطن وحدة وسلامة ونماء من مجتمع لم يتطور في وعييه وثقافته ولم يتعلم من دروس القرون والسنين كيف يشكل ويعيد تشكيل تصوره للوطن الواحد وفق تطور أنساق الوطنيات في أدب وفكر السياسة والتاريخ وأشكال الدولة، من خلال جمعية تأسيسية تفصل الخطاب بصفة نهائية وتخلص الوطن من قلق الهوية المصطنع.

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici