“الحرْكى” أجيال غير بيولوجية تحتاج إلى التجلية!

0
222

https://alsiasi.com/
بشير عمري

ليست تصعب عملية التغيير في الحاضر سوى لأنها تصعب أكثر في الماضي، في المفاهيم التي تم صكها أو تشويهها وابقاؤها في ثابت خطاب الماضي ما جعل العقل الوطني يعجز عن فهم ما جرى ويجري الآن وهو ما سيعجزه طبعا عن استشراف المستقبل.

من مصاعب الماضي المستمرة التي تشوش على العقل الوطني وتحول دون تطوره لغة الثوة ومنعوتاته ومنحوتاتها خاصة تلك التي توظف في الخطاب السياسي فى الاعراس الانتخابية كنعت (الحركى) الذي يستعمل بإفراط وشطط كبيرين من قبل حملة الدعاية الأيديولوجية المعادية لكل مشروع جديد مجدد لمعنى الوطنية.

في المفهوم اللحظي للكلمة والنعت الذي حملته، كانت تشير إلى أولئك الأفراد من للآهلي الذين تعاملوا مع الاستعمار ضد وطنهم وضد ثورة التحرير لاعتقادهم باستحالة اندحاره (اتلاستعمار) وبالتالي الاستفادة من مزايا وجوده على حساب بقية الآهلي والشعب الآخرين .

وحسب رئيس الحكومة المؤقتة الراحل بن يوسف بن خدة، فإن أعدداهم كانت كبيرة جدا بعكس ما يتم أحيانا تصويره من كونهم حالات شادة، غاية ما في الأمر هو أن درجات وحجم تعاملهم مع الاستعمار اختلفت بين فئة وفئة وشخص وشخص، مثلما اختلفت الاسباب التي أدت بهم إلى انتهاج هذا السلوك الخيباني لبلدهم، لشعبهم وقبل ذلك لأنفسهم حتى.

من أجل ذلك لم ينظر إليهم الشعب بنظرة واحدة ولم يتصرف معهم بالانتقامية البشعة في غمرة الفرحة بالاستقلال، وهو ما يكشف حجم وطبيعة التسامح الكبير الذي يكتنزه ويختزنه الشعب الجزائري في مكنون شخصيته ونفسيته بعكس ما تسوقه عنه عدة جهات تدعي التخصص في نفسيات وشخصيات الشعوب والأفراد.

بيد أن ثورة الدولة (دولة الاستقلال) التي ورثت السلطة عن دولة الثورة (الحكومة المؤقتة) عملت في مخططها على بناء خطاب ايديولوجي للثورة يفصل بين الممارسة والسلوك، النشاط والشعار حد التناقض الذي لا يفهمه إلا من رسخ نظره في عمق مكنون هذا الخطاب ومناطق العتم فيه، إذ في الوقت الذي كرست وكررت فيه العداء للحرْكى ليس كعمل معزول بل كاتجاه عام، حرصت على عدم نعت الفارين من الجيش الفرنسي بمصطلح خاص يُمعْلِمهم في التاريخ الوطني، وبذلك ورث الجزائريون من أبناء الحركى عورة أبائهم وكأنها عورة جينية في حين اندمج أبناء الفارين في اللحظات الأخيرة من الاستقلال في المجتمع بلا مائزة أو تمييز أو نبز بلقلب!

نفس الشيء واقع اليوم مع من عادوا إلى المجتمع ممن رفعوا السلاح ضد انقلاب 1992 أين خلدهم الرسمي والاعلامي الموجه بالارهابيين التائبين وحمل ابناؤهم ابناء الارهابيين التائبين، في توظيف استراتيجي للغة في التاريخ سيكون لها المفعول الذي سيأتي في هذا المقال، ذلك لأن اللغة في السياسة هي أول أدواتها وأسلحتها التي لا تتقادم !

وطالما أن الخيال والعاطفة الوطنيتين هما من صنعة اللغة دون سواها، فالظفر بمعركتها هي محور اهتمام السلطة حتى لا تفقد الكثير من مخزونها الايديولوجي وهذا باستحثاث الذاكرة وما تحجر فيها من مفردات تحمل في دلالاتها مقدسات ومآسي الشعب.

هكذا حرص على أن يمضي الخطاب الوطني الواقع في قبضة السلطة التي تأبى إلا أن تتجسد الثورة والتاريخ إلا فيها وبالتالي تحتكر المرجعية الوطنية، أعاق كل مساعي تطور مفهوم الوطنية كأول سبُل تحقيق التغيير السياسي بالبلاد، فالحرْكى أريد لها أن تظل محبوسة في الماضي ومعينة في اتجاه خاص دون تمتد إلى الحاضر وتأخذ بالتالي ما تستحقه من عناية في الدراسة والرؤية كونها عنصر فاعل في التاريخ إلى اليوم .

ولكون الوعي الوطني لم يتطور بعدم تطور خطابه، راحت تفلت منه حقيقة أن الحرْكى هم من خدم فرنسا في الماضي ومن يخدمها في الحاضر، فكما تطور الاستعمار في التاريخ من عنف الحضور العسكري على الارض إلى عنف الحضور الاقتصادي والثقافي والفكري، فإن جنوده المتواطئة لا تزال مستمرة إلى اليوم تمنحه السيادة والقيادة وكل خيرات ومصائر الأمة.

فعلى الفكر الحراكي أن يتحرر أولا من أثقال ما حمل الخطاب الوطني الأول من ضلال، لأن أول المعارك الثورية هي معركة الوعي، وهاته الأخيرة ترتكز بالاساس على معطى اللغة وأسرها وسحرها، فالموت البشع ليس ذلك الذي يقع في سوح النار والغبار بل في الخيال والافكار، ومصداق يماثل ذلك، قال به المفكر الكبير مالك بن نبي وهو يصور حجم دمار العالم الاسلامي مرجعا اياه إلى القابلية للاستعمار التي تسكن نفسية وخيال المسلم والعربي طبعا لكونه مهزوما في الوعي بالتاريخ قبل هزيمته بأشياء التاريخ.

في الأخير كنت قد رددت صديق على مواقع التواصل الاجتماعي حين نشر على صفحته ما اعتبره دليلا على كون احد وزراء الجزائر من أحفاد حرْكي بأن اللاعب الدولي السابق في منتخب كرة القدم لسنوات الثمانينات عبد المجيد بوربو كان قد أجاب عن سؤال طُرح عليه بهذا الخصوص قائلا (نعم أنا ابن حرْكي لم اخفي ذلك على أحد ولكنني لست حركي أنا ابن حركي.. ابن حركي) بما كان يفيد تبرؤ الابن من توجه والده الخاطئ، ليخدم الوطن بتفان في مجال كرة القدم، في حين تبدو العصابة التي تحاكم حاليا أكثر عمالة وأكثر (حرْكية) من حركى الماضي بحجم ما قدمته من خدمة لفرنسا واقتصادها، فهل سنظل عالقين بإرادة خطاب قديم يحشرنا ويحصرنا في عورة الحركى القديمة وننسى الحركى الحالية لمتواصلة بأشكال عدة تحول دون أن نخرج من أسر الخطاب الوطني المتهالك ونحقق التغيير المنشود  .

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici