عن الوطنية والوعي السياسي بمنطقة القبائل

0
188

https://alsiasi.com/
بشير عمري

لا تزال تداعايات المبادرة الاستثنائية للمعارض السياسي الجزائري كريم طابو، عبر رسالة الاحتجاج التي وجهها للرئيس الفرنسي ماكرون استهجن من خلالها تدخله في الشأن الداخلي الجزائري ودعمه غير البريئ لنظام الحكم الجديد – لا تزال – تصنع الحدث، بشكل أو بآخر وتطرح العديد من التساؤلات المتعلقة بما يحيط بالمبادرة عينها، والصمت الذي تظهره مختلف التشكيلات والشخصيات المسماة وطنية وسياسية حيال الحدث، ومن جملة التساؤلات التي طُرحت، لماذا لا تخرج هكذا مبادرات سوى من نخب منطقة القبائل دون سواها؟ وهل الأمر متعلق حقا بمستوى من الوعي السياسي أم بمسعى للإستمرار في التمرد على ما يسمى بالاجماع الوطني؟

هي كلها كما هو ملاحظ، أسئلة صنفت لفترة طويلة في خانات الممنوعات ضمنيا، في لغة الخطاب الوطني، لكون أي حديث عن تميز أو تنوع أو تعدد، كان يُحسب في خانة الخيانة  ومحاولة للتفريق بين الجزائريين والتفريط في الوحدة الوطنية أو إيقاظ للقلاقل والمشاحنات بين أبناء الشعب الواحد، وبذلك تم تعطيل كل باروميتر لقياس مستويات التطور ومناطقه في كل المجالات، حتى غاب عن الناس معيار رؤية أو كشف درجات ومستويات قياس مدى تجسيد  شعارات الدولة الوطنية أبرزها تكفاؤ الفرص والتوازن الجهوي وغريها من الشعارات.

ودونما إيغال في المعطيات الموضوعية المشكلة لبنية الوعي بالذات الخاصة لمنطقة القبائل، لما قد يثيره ذلك لدى القارئ المتسطح في فهم أشياء التاريخ، والمتخم بركام الخطاب الوطني القديم القاطع مع كل عناوين ومضامين الخصوصية الثقافية والمناطقية التي تضيف للحظيرة الوطنية وليست تنقص منها، ينبغي الاشارة إلى أن منطقة القبائل كانت عصية على الاستعمار بطبيعة أهلها النفسية والطبيعية قبل حتى أن تمتلك وعيا سياسيا مميزا يتمزج فيه الخاص الريفي الفطري، بالثقافي الحضري، والخصوصي بالوطني، تلك الطبيعة التي جعلت منها وحدة قائمة بذاتها، كانت ولا مشاحاة في ذلك إضافة صلبة للحظيرة الوطنية عسكريا وسياسيا.

سياسيا شكلت عقل الثورة وإطراها الموجه، وواضعة هندستها الجينية التي ستختل بعدما يتدخل العسكري بتدبيره التدميري وليس التفكيري، فمذ اغتيل عقل الثورة عبان رمضان، ارتج جسد هاته الثورة ولاحت شؤوم التشرذم وتصاعدت حدة غرائز السلطة وشهوة الغنيمة في نفوس الجميع، وفلت زمام الأمر باكتساح العسكري للسياسي واسعبد كل ذي بندقية ذي قلم واسعبد كل ذي سرية ذي حزب.

أما عسكريا فقد قدمت نخبة من القادة الميدانيين الذين لولاهم لولى الكثير دبره في معارك كانت مفصلية في مسار الثورة، أكثر من 14 عقيدا وهي الرتبة الأعلى في جيش التحرير تعطي دلالة قاطعة على روح الوطنية في أبهى ومنتهى تجلياتها، وتبرز قيمة الروح والكفاءة في تأدية المسئولية الوطنية.

طبعا، لم يكن لمثل هذا الارث الخاص والخصوصي، في الفحولة التاريخية والرجولة في النضال الوطني، أن يضيع وينصرم هكذا هباء منثورا مع بخار قطار التاريخ، كان واضحا أنه سيتوارث جينيا في الناشئة بالمنطقة، ويصبح التمرد على الظلم ثقافة أزلية، وفي ظل فقدان سلطة الاستقلال لمعالم ومشروع الدولة التي تواصى وتواطأ على نمطها التأسيسي كل أطراف القضية الوطنية، اعتبار الوحدة الوطنية نهاية الخصوصية لصالح العمومية، كان حتميا أن تستيقظ روح التمرد تلك وتستمر فعاليتها في مواجهة توجه سياسي لجماعة غامرت بالثورة وبالوطن ولا أدل على مغامرتها القاتلة تلك حالة البلاد اليوم من أزمة متراكبة مترابطة لا تكاد تخمد في جزئية منها حتى تشتعل وتفتعل في أخرى.     .

بادرة كريم طابو السياسي، القبائلي الوطني، أمام سكوت كل الجهات وكل التشكيلات، جاءت لتستثير في العقل والذاكرة الوطنيين، صور لحقائق الماضي الذي حول البعض تحريفها أو تشويهها عن منطقة، كانت ولا تزال رائد في النضال والحراك الوطنيين، ظلت بروحها وحركتها راكضة في نطاق استكمال تحرر الانسان بعد تحرير الوطن، في حين بقيت الأطراف الأخرى راكدة راقدة تنتظر أن تُهدى يوما أو تُعطى هذا التحرر، رغم ما جادت به الثقافة العربية المحتبسة في نطاقات الخيال والشعر ( وليس نيل المطالب بالتمني – ولكن تؤخذ الدنيا غلابا).

إن شاكلة العمل السياسي الذي تم تجريده في الخطاب من مفرداته الأولى كالنضال والعمل الوطني، حتى يفقد الكثير من جاذبيته وعاطفته الوطنية، كشف عن سمة وقسمات الملحمة الوطنية وجغرافية نشاطها وبؤرة الفاعلية فيها، وهذا لا يعني أن الكفاح والنضال اختزل في منطقة دون غيرها، فليست منطقة القبائل تساوي أو تقدر على شيء دون عمقها الوطني والعكس صحيح، لكن لا ينبغي مطلقا إنكار تفوق المنطقة في درجات الوعي السياسي الوطني وهذا بفعل تفاعلها الدائم مع المسألة الوطنية، فهي إن كانت قد انطلقت في وعييها الوطني أثناء الثورة من العام (الوطني) إلى الخاص، أي أعطت الأولوية كما كل مناطق الوطن الأخرى، للقضية الوطنية، فإنه من بعد العبث والمصادرة للاستقلال، قد قلبت المعادلة وصارت تنطلق في وعييها التحرري ومقاربتها لمفهوم “الوطنية” من الخاص إلى العام، وإذا ما استثنينا بعض أصوات التطرف في خطاب الخاص، كما الحال في كل التيارات والتوجهات، فإنه ليس في ذلك ما يعيبها في شيء، طالما أنها في إجماع مكوناتها واعية بضرورة الانتهاء عن العام (الوطن الأم)، وهو ما كان ينبغي على المكونات الوطنية الأخرى بكل ما تحمله من خصوصيات أن تندرج في نطاقه، أي تعمل على التغيير الذي يجعل الوطن ينفتح على نفسه على مكوناته وعناصر التنوع والتعدد فيه، خارج دهليز المشروع المظلم الذي فرضته بالعنف الجماعة التي غامرت ولا تزال إلى اليوم بالوطن والوطنية صائفة 1962 !

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici