بيان البرلمان الأوروبي وأزمة نخب الجزائر في استيعاب الخطاب الدبلوماسي العولمي

0
112


بشير عمري
https://alsiasi.com/

إذا كان الموقف الرسمي الشاحب الشاجب لبيان البرلمان الأوروبي بخصوص وضعية حقوق الانسان وحرية التعبير في الجزائر متوقعا، فلا أحد كان يتوقع سكوت المعارضة المتواصل والأكثر منه انحياز حزب الجيل الجديد بقيادة سفيان جيلالي للموقف الرسمي معتبرا، بيان البرلمان الأوروبي تدخلا في الشأن الداخلي الجزائري، في وقت يتوجب أن تغدو فيه مسألة التدخل هاته في الخطاب السياسي الجزائري من عقائد الدولة الماضية باعتبار أن الدستور الجديد قد أعطى ليس فقط حق التدخل الكلامي بل العسكري للجزائر خارج حدودها!

ما الذي رامه جيلالي سفيان من خلال موقفه الغريب هذا حيال بيان البرلمان الأوروبي؟ وهل بصمت الأموات التي تزينت به المعارضة منذ تطورت الانتفاضة الشعبية من احتجاج على العهدة الخامسة إلى حراك ثوري يطالب بالتغيير الجذري، تكون قد وقعت شهادة وفاتها؟

في وقت تتبدل فيه قيم وتُعاد صياغة مفاهيم في السياسة علما وممارسة، لا تزال عديد النخب لدينا مرتبطة بالأبعاد المفهومية النظرية القديمة، وتلهج بعباراتها ومفرادتها فتبدو في واقع الحال كذلك الرضيع الذي يأبى أن يكبر وسط محيطه، وهذا بسبب استمرار احتكار السياسة من قبل الأجهزة داخل السلطة الوصية على الوعي، وعدم تركها تنمو وتتطور وفق معطيات التاريخ الحاصلة، من خلال نخب تكون حاضرة وفق مبدأ التحيين اليومي (la mise à jour) كي تحوز شرعية الكلام وشرعية الحضور في اللحظة السياسية المعاشة.

هذا التخلف عبر عنه منذ يومين الدبلوماسي والوزير السابق عبد العزيز رحابي  وهو ينتقد النخب السياسية في الجزائر لا سيما منها الحاكمة بشأن التوجهات الاستراتيجية وخياراتها الكبرى أو بالأحرى المُثلى حين قال “هناك مشكل يطرح عندنا هنا في الجزائر وأريد الوقوف عنده، وهو مشكلة النخب والصحافة والطبقة السياسية الجزائرية، أنهم الوحيدون في المنطقة المغاربية من يتحدثون عن المسار المغاربي، لأن النخب السياسية والاقتصادية في تونس وفي المغرب تفكر في اندماجها مع الشمال، في حين النخب في الجزائر لا زالت تحكي عن الاندماج المغاربي الذي يعود لمؤتمر طنجة 1956، نخبنا تعيش في الماضي فيما يخص الجيوبوليتيكا، حيث تفتقد لقراءة استكشافية للاندماج في المنطقة بصفة عامة”

واضح أن السيطرة التي بسطها بوتفليقة على الجهاوز الدبلوماسي باعتباره خاصته أو هكذا رآه هو دوما، انتزع منه غصبا بعد وفاة بومدين، فاستعاده ليعبث به عبر وضع دُمى في الواجهة يحركها هو من خلف كيفما شاء، مثلما حدث بتعيينه مرة ليوسف يوسفي، ولعبد العزيزي بلخادم حتى جاءت طامة تعيين عبد القادر مساهل على رأس الجهاز الدبلوماسي – واضح – أنها أعطت أكلها وخربت وأخرت البلاد كما في كل القطاعات الأخرى.

فالجزائر تعاني من مر أثر ثلاث عقود من التعليب السياسي والتعتيم الاعلامي والفساد في كل القطاعات، حتى أضحى من الصعب عليها اليوم الارتقاء إلى مستوى الخطاب العولمي في كل جوانبه السياسية منها والاقتصادية، وحتى العسكرية بدليل أنها لا تملك قوة حضور في الاشكالات المشتعلة على حدودها

وعندما يتحدث البرلمان الأوروبي عن الوضع الداخلي للبلد، أفليس هذا بسبب عدم قدرة هذا البلد على حلحلة مشاكله الداخلية بما يمنع خروجها للرأي العام الدولي والاقليمي؟

كان ممكنا تلافي كل الاشكالات المفضية لتدويل الشأن الجزائري فيما لو تحلت السلطة بالحكمة التي تقتضيها الظروف وترضخ لمطالب التغيير السلمي وعدم التعنت حيال صوت التجديد الحقيقي وليس صقل القديم كما هو جار في إطار عملية ترميم البيت العتيق لنظام صار هشا وغير قادر على حمل وطن ثَقلت أحماله واختلت موازينه بسبب المعادلة المقلوبة في الوجود السياسي والتاريخي منذ 1962، كان وراءها  بلا وبطلها لنظام.  .

والمؤسف أن هذا الفهم الخاطئ لخطاب العولمة السياسي الذي انتهجه البرلمان الأوروبي، ليس فقط النظام من استقبله أسغى إليه بجهاز دبلجته القديم، فعسر عليه فهمه، بل ثمة شباب بعمر السياسة من مثل سفيان جيلالي وحتى سيف الاسلام بن عطية، أظهرا حتى لا نقول شيئا آخر تخلفا في الموضوع نفسه، إلى حد أن البعض رأى لو أنهما اتلزما صمت بقية المعارضة السلبي لكان أجدى لهما من طبيعة ومحتوى الاعتراض الذي قدماه كموقف حيال بيان البرلمان الأوروبي.

طبعا ليس يفهم من حديثنا عن طبيعية وطبيعية بيان البرلمان الأوروبي أننا نقبل التدخل في الشئون الداخلية للبلد، فهذا لا يستسيغه عاقل، لكننا ننبه إلى أن التحاولات الكبرى الجارية اليوم قد جعلت من الداخل جزء من الخارج، وجيلالي سفيان الذي لم يسمع له أحدهم همسا من بعد تصريح ماكرون المشيدة بشجاعة التبون والمشيرة إلى المرحلة الانتقالية التي تمر بها الجزائر، كان هو في حد ذاته أشرس من هاجم الرئيس هولند لما أعرب منذ خمس سنوات عن انبهاره بالقدرة التفكيرية والتحليل العقلاني الرصين لبوتفليقة! فما الذي حدث حتى اختار السكوت على ماكرون والاحتجاج على البرلمان الأوروبي، وقبل ذلك الاحتجاج على هولند وهو يكذب من أجل مصالح فرنسا على الجزائريين ويصور لهم الدمية بأنها حقيقية؟

مرة أخرى تتأكد للجزائريين بأن الاشكال لا يرتبط فقط بعدم شرعية النظام السياسي التاريخية والبيولوجية بالاضافة إلى عدم شرعيته السياسية القديمة، بل يتصل بذلك أشكال آخر هو عدم شرعية النخب التي والته أو حضرت ولائمه أو التي وعدت بتلك الولائم، لهذا كان شباب الحراك مصيبين إلى أحد بعيد في إبعاد العديد من تلك النخب من الحراك تطهيرا له من بقايا لوثة النظام التي لا تزل تلتصق بتلك النخب بدرجات متفاوتة!

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici