ثورة الخيال وخيال الثورة في ربيع العرب السياسي

0
464


Jun 01, 2022

بشير عمري

لماذا تواصل صمت الأدب في والادباء في موكب التغيير الذي تحمله الإرادة والوعي الشعبيين في العالم العربي، مذ تفجر ربيع المنطقة قبل نحو عقد من الزمن، مناديا بالحق والشرعية وإعادة تاج السيادة لهاته الشعوب المقهورة في عرشها الصحراوي المديد؟

سؤال قلما يتردد في مسرح النقاش الثقافي والإعلامي العربي، ولكأنما الثورة جُزئت ثم جُردت في تجربة الربيع العربي هاته، من مشمول المدلول الفكري والعلمي الذي لا زمها في قواميس ومعاجم السياسة والتاريخ، ولم تعد تعبر عن صيحة الضمير العام في كل مستويات الفاعل المجتمعي وفي كل جوانب الفعل فيه.

عندما نعود بالذاكرة إلى دفاتر وكتب مدارسنا الأولى، لنتأمل طفولتنا وطفولة أوطاننا معا، نراها حافلة بأدب البطولات في مسارات ومسرّات الحرية والتحرر واستقلال البلدان والشعوب، مطرزة كلها أعاجيب البطولة والتضحية قُدت بأقلام كتاب من جبال الخيال شعرا ونثر متوغلة في الطبيعة اللا إنسانية للاستعمار، إلياذات ملاحم، ثلاثيات ورباعيات قصائد ومسارد حافلة بالنقد والتهكم، ممجدة لأنهار الدماء الزكية التي هدرت لتروي أشجار الحرية، ما كان له تأثيره الواضح في صناعة أجيال، توقف بها الحال عند عتبات حب الوطن دون الوعي بالوطنية.

إذن حب الوطن واللا وعي بالوطنية هما ضدان واضحان في منقلب المشروع الوطني الاستقلالي نتاجا عن سوء إدارة مرحلة ما بعد الاستعمار أسهم في ظهورهما واستمرارهما في الواقع العربي كخطين متوازيين، انكسار النخب وانحساره دورها في الإنتاج الأيديولوجي النظري المفرط في الزهو والترف الكلامي المعرفي، بعيدا عن واقع اهتمامات المجتمع وعناصر التطور والتخلف فيه وخصوصياته الثقافية والبيئية التي يتوجب مراعاتها في عملية إعادة تركيب هذا الواقع بآليات الخيال.

فالتنافر بين النخب لا سيما في الأدب والشعب أفقدهما معا قوة الحضور الفاعل في مشروع إعادة البناء الوطني ورسخ بالمقابل من دور السياسي السلبي في ملء الفراغات الكبرى التي تركها غياب الخيال وما يتيحه من متسعات كبرى للعقل كي يتجاوز المحدود والمسدود من الافاق الضيقة التي وجد فيها بفعل تغييب الحرية والتضحية بها من أجل “الوطن” بوطنية خطابها متلبس بحسابات السياسة ودلالتها اللغوية انفصلت عن مدلولها الوظيفي.

واليوم بعد عقد كامل من انفجار ربيع العرب الثوري كأحد أضخم أحداث التاريخ السياسي بالمنطقة، وما ميزه من روعة الأسلوب الشعبي في الاتحاد والتعاضد من أجل كسب معركة التغيير، اتضح بأن الأدب كان الغائب الأكبر في عكس حالة هذا الوعي على صفائح الخيال بما يعزز من قوة الحدث ويقوي من تفاعلات كيميائه في تاريخ الشعوب لتنهض مجددا من رماد خيبات تجربة دولة ما بعد الاستقلال.

بعض الأدباء لزم الصمت استرابة من الشعب الذي لا يرقى – حسبه – في اختلافاته واختلالات الوعي لديه، إلى مستوى شعره أو نثره، فلم تهتج قريحته و لا خياله لهيجان الشارع كي يجود بشيء من مكنون لغته ويبدع أفقا لواقع مأمول تنشده عقول الالاف من أبناء هذا الجيل الحي وهو يعبر في ويهدر في شوارع المدن العربية بمده ومديه الجارف على انقاض جيل ميت بفعل ما استهلكه من مفاهيم مسمومة ومغلوطة عن الوطن والوطنية.

أما البعض الآخر من الأدباء، فقد وقف موقفا عدائيا صريحا من الربيع العربي وثورة الانعتاق السياسي والسيادي التي رامها واستهدفها مذ اندلع من قرية سيدي بوزيد بتونس، ممتنعا بذلك بخياله عن التفاعل مع حركة التاريخ الحي وهو ينبض في الشارع العربي، فقط لأن المثقف زُحزح أخيرا عن الريادة والقيادة بد أن اختفت الثورة من مشروعه، ولجأت في منفاها إلى الشارع بعد أن جُمدت في صالونات ومقاهي أدبية وثقافية لاهية لا تكاد تسمع لها لاغية.

أما آخر الأصناف من الكتاب والأدباء فقد اختار في معترضه للثورة وينبوعها الشبابي في الشوارع العربية، أن يدع الخيال وفنونه جانبا ويبدع في إسالة محابر اقلامه كلها على الصحف والمواقع نقدا للنظم والشعوب معا من خلال مقالات صحفية انشائية مليئة بكل شيء إلا بالموضوعية والتاريخانية التي تقتضيهما الحاجة والساعة الثوريتان العربيتان .

من هنا بات السؤال الشائك يفرض نفسه، من يحرك الخيال وفنونه ويوجهه حيث يرغب ويشاء في العالم العربي؟ ففي فترة القلق الوطني والسياسي التي شهدها العالم العربي إبان ما عرفها بـ”الحرب على الإرهاب” نهاية القرن الفائت، لوحظ تداع غير عاد على الإنتاج الفني والأدبي، من خلال السينما والأدب، تدين كلها الإرهاب مسلكا وليس منشأ، في مصر تفرغت السينما والتلفزيون بشكل يكاد يكون كلي لتوثيق المرحلة، أفلام، مناظرات، محاضرات، أعمال روائية تقتبس وتحول إلى درامات أو مسلسلات.

في الجزائر برز ما سُمي بـ”أدب الاستعجال” أين حمل القلم كل من استطاع إليه سبيلا، ليكتب ما استقر واستنفر في دخيلته عن مشاهد الذبح والقتل السياسي، وفاضت المكاتب بأعمال كثيرها رديء المبنى وقليلها رديء المعنى وجلها غيؤ مقروء، لأنها كانت ببساطة مستعجلة متألمة غير متأملة.

بينما اليوم نقف أمام حالة من الصمت المطبق، وكأن الايعاز لم يأت بعد لترقص الأقلام بالحقيقة أو على الحقيقة، وإلى أن يتحقق ذلك سيظل الخيال معطلا والمقال هو خيار الأدباء لادانة ثورات “الشارع”!

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici