“الوعي والأحداث” خارج حظائر الإنتاج السياسي بالجزائر

0
751


Aug 24, 2022

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

ثالث وزير أول يودع أمس السجن في الجزائر مذ تفجرت ثورة الحراك الشعبي التي أطاحت بحكم بوتفليقة دون أن تستكمل مسار هدمها للمنظومة كلها، اعتقال طرح في تأخره العديد من التساؤلات بخصوص الأسباب والخلفيات، لكن الأكثر منها الوسائل المتبعة في التصفية المغلقة للإرث “البوتفليقي” فيما بين صناع القرار، لكن ما يظل ملاحظا في سياق هذه التصفية هو الغياب الشبه كلي للنقد السياسي، سواء من مجتمع المعارضة وعنصر انتاجها للخطاب، أو للإعلام وطبعا دون الحديث عن الجهاز الاكاديمي لمجتمع المعرفة الذي جسد بغيابه القطيعة الغير معلنة بين السياسة والمعرفة والعلم التي تطبع المجتمع الجزائري.

فالإجرائية الصلبة التي يتم وفقها التعاطي مع الشأن السياسي انتاجا وتنفيذا، والتي تظلها خاصة بالجهاز الرسمي، جعلت من المشهد السياسي بالجزائر “عملاقا بعقل رضيع” عملاق من حيث الأحداث الكبرى التي صنعها الشارع مذ صار يستوي على عوده في الوعي السياسي والرغبة في التجديد، وإشارة واحدة هنا كفيلة بتأكيد هذا الأمر، وهي تلك المتعلقة بسياق الهزات التغييرية العنيفة التي عرفها العالم نهاية القرن الفائت، حيث كان قصب السبق في ذلك للمجتمع الجزائري مقارنة مع من ماثله وقتها وشاكله من منظومات حكم أحادية واحدية، حيث أطاح بها، بغض النظر عن الخلفيات، في انتفاضة أكتوبر 1988.

adلكن المشكل ظل كامنا في “مابعديات” الأحداث والهزات والانتفاضات وما ينجم عنها في المجتمع الجزائري، حيث تسبق المنظومة بأجهزتها وأدوات تفسيرها وتدبيرها وتغيير لمجرى تلك الأحداث في العقل قبل الحقل، ولا يُترك مجالا للرؤية والرواية الموازية أو المعارضة أن تبسط بقراءتها للمعطى والمتداع عن تلكم الأحداث.

إعلاميا واضح الفقر المرجعي الذي تعانيه هاته السلطة في فعليتها وفعاليتها ورمزيتها، إذ كيف يعقل في بلد بحجم الجزائر، وثراء تاريخ مجتمعه النضالي، قبل وبعد الاستقلال، أن يعوزه قلم صحفي مرجعي يعبر بكفاءة وخبرة عن الحقيقة الوطنية، على شاكلة عديد من الكتاب الصحفيين في العالم، كل هذا الزخم من التجربة الصحفية في فترتيها الأحادية والتعددية لم تكن بقادرة على افراز قلم نوعي وموضوعي، يلجأ إليه الضمير الوطني بالسؤال حول المشهد السياسي القاتم تلمسا للحقيقة واستئناسا للتجربة.

ففي ظل ما يحدث اليوم وما حدث بالأمس، وربما ما قد يحدث غدا، من إعادة تشكيل لصورة لمنظومة قديمة لا يزال الاعلام السياسي الوطني في الجزائر، يمضي على انطباعيته الأولى، وإنشائيته القديمة بين محايد مسترزق بالمهنة، وآخر حائد عن نهج التأسيس الموضوعي باتباع ثورة الالفاظ وعبارات المعارضة الشاملة المصادمة التي تؤسس لخطاب تنفيسي وليس تأسيسي !

فمذ ثار الحراك على الواقع السياسي للبلاد رجيا التغيير، لم نقرأ مقالا واحد أجاد تلخيص حركة الشعب هاته بما يجعله يغدو مرجعا لفهم الحدث الضخم في حد ذاته ويعلن عن فجر جديد ومرحلة أخرى في الكتابة النقدية الصحفية بالجزائر!

أما عن الحظيرة الأكاديمية للسياسة في الجزائر، فالأمر أعم وأطم، فبالإضافة إلى هزالة المنتج الأكاديمي النوعي للشأن الجزائري، بالمقارنة مع زخم انتاج الشارع للفعل السياسي على ضوء خيبة المتحزبة والمستقلة معا، فقد ظهر العقل الاكاديمي ليس أقل قيودا واقتيادا من قبل السلطة على المعرفة، ما اركسه في وحل الرداءة وعدم الكفاءة وبالتالي عدم القدرة عن التعبير نظريا بشكل علمي موضوعي عن الظاهرة النضالية السياسية للمجتمع الجزائري، الذي لا يزال منذ أيام الحركة الوطنية يبحث عن مجتمعه السياسي التعددي الحقيقي وتراثه الوطني الموءود.

وأخيرا وليس أخرا المعارضة السياسية في أداة انتجاها النقدية للسياسة، هاته الأخيرة لم تكن بأقل فجاجة وفظاعة وخوار من الاعلام والجامعة، وأنا هنا أتحدث بالطبع عن المعارضة التي لطالما أدعت أنها أصيلة وعريقة، أي أنها خرجت من قبو السرية بعد إذ لبثت في عذابه وظلمته سنينا عددا، تواجه القمع والمنع من المنظومة الحاكمة طيلة عقود الاستقلال الستة الماضية.

فمن كثرة ما اعترى المشهد السياسي لا سيما الحظيرة الحزبية فيه من فساد ومطامح مادية تم اغراؤها واغراقها بها لتلعب دور الواجهة في الصنيع والتصنع الديمقراطي، كفت عن الاهتمام بأدبها السياسي ملجمة نفسها بنفسها، فليس يعقل بالمرة ان تتخلى الأحزاب عن صحافتها الأولى التي دشنت فترة التعددية الباهية (1988-1992) لتحرم المجتمع من رؤية عقل مواز للرسمي منتج لخطاب اعلامي سياسي جديد ومعبرا عن الافاق الجادة والجديدة لتلكم المعارضة!

قتلُ الاعلام الحزبي بالطريقة التي تمت به، وبقبول حتى لا نقول تواطؤ من أهله، أسهم في تجسيد “صورية” المعارضة، إذ لم تعد تُرى سوى كفرق أحياء كرة القدم تُدعى لمنافسات انتخابية “ودية” تخوضها وتأخذ عنها هدية مجزية، وإذا ما اعترضت أو احتجت عن طبيعة “الهدية” كتبت بيانا ونشرته في الصحف “المستقلة”!

هي إذا حظائر العقل السياسي الجرداء الجدباء التي تم تصحريها وترميلها حتى لا تسهم في نهضة واعية للمجتمع السياسي الجزائري، الذي من شدة التعمية التي مورست عليه بفعل غياب انتاج هاته الحظائر تلك من الحقيقة والمعنى، صار متساهلا أمام تهديدات الأزمات، ولا يكاد يستشعرها إلا بعد أن تعصف به، فالمواطن مثلا لا يجد اليوم قدرة حتى على طرحه السؤال عن سر وسبب الغلاء اليوم الذي يصطلي بناره، فضلا عن أن يعرف المغزى من الزيارة التي سيقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غدا إلى الجزائر، ولكم ذهلت في هاته الجزئية تحديدا، من مستويات التحليل لبعض فرسان الخطاب الأكاديمي من أستاذة العلوم السياسية من جامعات، معسكر، الجلفة، وادي سوف وغيرها من كليات ومعاهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ببعض القنوات الفضائية وهم يفسرون الزيارة تلك للمشاهد الجزائر بإجماع أنها انتصار للموقف الجزائري في الصراع على مصادر الطاقة الذي أفرزته الحرب الروسية على أوكرانيا !

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici