نماذج من الخط الثالث للمعارضة السياسية بالجزائر

0
414


Jan 14, 2023

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

كشفنا في مقالنا السابق حقيقة سقوط مشروع الاستئصال السياسي الذي أريد من خلاله تشويه الحقيقة الوطنية عبر سحق أعضاء من الجسد الوطني وفق منطق الإبادة الايديولوجية التي لم تفلح في أي تجربة من تجارب التاريخ السياسي في العالم، وهكذا سيولد من هذا السقوط فراغ جديد في الواقع الوطني يستوجب ملؤه، لعدم احتمال الطبيعة للفراغ، فلجأ المعدون والراسمون لمسارات السياسة في الجزائر إلى نمط سائد في كل النظم العالمثالثية وبالمنطقة العربية على وجه أخص وهو تكريس ديمقراطية الواجهة التي تأخذ من الدمقراطية الهيكل (التعدد الحزبي) والميكانيزم (الانتخابي الصوري) وتتغاضى من الروح والحقيقة للمبدأ، اتجاه سيجد له اطمئنان من قبل شرائح واسعة من الشعب تعبت من لعبة خلط الأوراق وازهاق الارواح على مذبح التغيير العصي عن الحدوث ونخب سياسية مستقلة وحزبية رأت فيه مرتعا لتحقيق مكاسب مادية شخصية، الأمر الذي سيعيد أزمة السياسة ومحورها نظام الحكم إلى المربع الأول.

 لكن أسئلة جديدة ستولد من تضعضع هذا النمط الديمقراطي من اتجاه ثالث سيتشكل من وحي تطور المعضلة الوطنية ومراحل تقلبها في مطبات السلطة ومطلبيات المعارضة عبر عقود الأحادية والتعددية معا، فما هي هاته المعارضة؟ ما سماتها وملامحها وما مستقبلها؟

أسئلة لا تقل في صعوبة الإجابة عنها صعوبة استيعاب مضمونها على اعتبار أن لفظ معارضة في المنطق السياسي الجزائري وبفعل صدمات التجربة السوداء للعشرية الحمراء، وما تلاها من عشريتين قاتمتين من الفساد المالي والسياسي، شكل عاهة في العقل السياسي والخطاب الوطني، وكلما ذُكر اللفظ (المعارضة) تماثلت أمام فكر وبصر المتلقي وجوه معارضة المواجهة الدامية وما اعقبها من وجوه معارضة الواجهة “الدُمياوية”، ما سيفرض بروز خط ثالث في الخطاب والممارسة يقوم على تجرد شبه كلي من افرازات تينك التجربتين.

ففي الحراك الشعبي الذي جاء كتعبير عن فشل مشروع ما بعد الاستئصال، برزت أصوات سياسية تحمل ذكاء اللحظة، ذكَّرت بمن عاشوا أيام الحركة الوطنية بروح المبادرة التي تميز بها العقل السياسي الثوري إذ ذاك، تلك الروح القائمة على مسعى تجاوز الاختلافات الأيديولوجية ومركزة الجهد والاجتهاد في سبيل تحقيق التغيير قبل كل شيء، وذلك وفق مقاربة تحمل تلقائيا في طواياها كامل عناصر التأثير في التجربتين السوداوين فساد الإرهاب وإرهاب الفساد.

فمن العائلة الحزبية البائدة برز اسمان مميزان صنعا الاستثناء وافترقا كلية في المعنى والمبنى مع باقي المجموعات السياسية، ونعني بهما الدكتور أحمد بن محمد، وكريم طابو، الأول ينحدر من التيار الإسلامي الواقع فيما بين فرقتي المغالبة منه والمشاركة، والثاني من العائلة الديمقراطية الرافضة لبقايا صوت الاستئصال الأيديولوجي والمواجهة لسياسة الاستيعاب في لعبة ديمقراطية الواجهة.

وبالإضافة إلى الحضور اللافت لنخب حقوق الانسان من المحامين الناشطين الميدانيين، في سابقة في المسرح السياسي الجزائري فيها الكثير من المحاكاة لزمن الحركة الوطنية حيث كان بعض الأساتذة من أصحاب البدلة السوداء يستعلمون بدقة وحذق وظيفتهم في خدمة القضية الوطنية على غرار الراحل عبد الرجمان كيوان، أين برز اسم عبد الغني بادي، نبيلة إسماعيل ومصطفى بوشاشي، فقد التقى هؤلاء جميعهم في مشترك خطهم النضالي مع شخصيتين بارزتين في حقل المعارضة الحراكية وهما الحقوقي والطبيب الدكتور صلاح الدين سيدهم والمثقف والكاتب المميز فضيل بومالة، فكلاهما خاض التجربتين السابقتين في عصر التعددية المبتورة، وخبر بالتالي وبتجرد وعقلانية أهداف السلطة وأغراض المعارضة الصورية، وأعاد بموقفيهما الاعتبار لمفهوم العمل السياسي المستقل ذي الارتباط بالحقيقة التاريخية للوطن من خلال مضمون ما يطرحانه من نقدية للمعضلة الوطنية تتصل عند الدكتور صلاح الدين سيدهم بمبادي حقوق الانسان المتحررة من كل منزع تمييزي فكري أو طائفي أو اثني، وتتضمن أيضا خلاصة الرؤية التاريخية لإشكالية الحكم التي ولدت مع الاستقلال كونه رافق الكثير من الوجوه التاريخية التي صنعت أرقى وأبهى فترات عمل الحركة الوطنية، لذا استقر واستمات طيلة حياته النضالية على فكرة إعادة التأسيس الجمهوري وذلك عبر مجلس تأسيسي سيادي شعبي منتخب باعتباره المخرج الوحيدة من كل الازمات المتولدة عن أزمة صائفة 1962.

وعند المثقف النقدي فضيل بومالة، شأنه شأن الإعلامي القدير قاضي إحسان، تلازم الرؤية لديه وتلتزم بالاستقلالية التامة القاطعة مع مسلكية “القطيع” الذي اتبع في قيادة القواعد النضالية الحزبية مذ ظهرت مع تبني الخيار التعددي نهاية القرن الفارط، وسهل على دوائر الاستقطاب والاستيعاب داخل السلطة عملية تفخيخها وتفجريها من الداخل عبر مزدوج الوسيلة المتبعة، الاختراق أو الاختلاق.

ما عزز من ملمح هذا الخط الثالث في تاريخ المعارضة السياسية، وأضفى عليه شرعية الوجود ومشروعية السؤال السياسي، هو تلك الملازمة والمزاملة السارة والدافعة له من قبل أحد أجد الوجوه التاريخية للثورة الراحل لخضر بورقعة الذي من خلاله اكتمل الضلع الثلث لهذا لثالوث هذا الخط كي ينطرح كمشروع فكري سياسي جديد مستوعب لكل مسارات تطور السياسة ونمو العقل والعقد الوطنيين.

لكن ما يؤسف له هو ذلك الضعف الكبير في أدب السياسة واعلامها على المستوى التحليلي في تناول الظواهر السياسية التي تتوالى وتتوالد من التجارب وميدان العمل، إذ تظهر عاجزة عن تمثل تلك الظواهر بوصفها معطيات استثنائية قابلة للتحول إلى مشاريع وطنية كبرى لما تتضمنه من خلاصات كل التجارب السابقة، وبالتالي تقدمها كنماذج مرحلية تتيح فرص المضي إلى سبل التغيير المنشود.

فما ينقص الجزائر اليوم في حقلها السياسي هو العقل المشتغل على واقع التجربة، في مقابل العقل “المعتاش” على تجربة الواقع مدحا لحقيقة السلطة وقدحا في المعارضة الحقيقية غير تلك المتحزبة المنحازة للحكم وفي أحسن أحوالها المرتهنة للواجهة الماضوية للتاريخ السياسي بوصفها لدى البعض الحقيقة التفسيرية الوحيدة للمشهد السياسي الوطني ومن ثم يظل استيعابها لوحدها مرفأ الخلاص من أثقال وأسمال السياسة بالجزائر.

كاتب  جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici