« أمال نايلي » رمزُ الحراك

0
1299

بقلم: عبد الله كمال / كاتب ومدون

مرّة أخرى يثبت النظام السياسي هشاشته وإصابته بالبارانويا المزمنة من كلّ ما له صلة بالحراك الشعبي الذي انطلق في 2019. ورغم أنّ المسيرات السلمية قد توقّفت من حوالي سنتين إلاّ أن النظام بأذرعه البوليسية والقضائيّة لا يكف عن التنكيل بأبناء الحراك من خلال الإيقاف والإستدعاء والمتابعات القضائية وحتى السجن، وكان آخر حلقات هذه السلسلة القمعية، سجن الأستاذة أمال نايلي عشيّة شهر رمضان المعظّم، دون أدنى مراعاة لرمزية الشخص والزمان.

لا شكّ أن مفردة « الحراك » قد أضحت مزعجة أو مبتذلة للكثير من الناس، وأصبح هذا الحدث يمثّل لفئات كثيرة مجرد مصطلح أرشيفي ينتمي إلى حقبة تاريخية سحيقة مضت تمامًا مثل الربيع العربي أو أكتوبر 88

فالذي أجّل مشروع الزواج أو التجارة أو الهجرة مؤقتًا بمناسبة الحراك عاد إلى مشاريعه المعطّلة، ومن انتظر انتهاء الحراك وإغلاق قوسه من أجل الجلوس مع السلطة والوصول إلى مفاهمات معها فقد حصل على مبتغاه ..

أما السيدة أمال نايلي فذنبها أنها ناضلت بدون حسابات.

الحقيقة أنني لا أحبّ ظاهرة صناعة الأيقونات الثورية أو عبادة الشخصيات في السياسة، فهذا الميدان بطبيعته عُرضة للكثير من التغيّرات والانتكاسات والانقلابات الحادّة في الآراء، وقد شهدنا الكثير من محاولات صناعة نجوم حراكية من مختلف التيّارات، لم تصمد طويلاً أمام امتحان الزمن وقمع السلطة وإغراءاتها، لكنّ السيدة أمال نايلي تمثّل استثناءً على عدّة أصعدة، وإن كان لحراك 2019 أن يتّخذ رمزًا فلن يجد أحسن منها تمثيلاً لقيمه ومبادئه ورسالته.

صنعت السيدة أمال نايلي أسلوبًا جديدًا في النضال، لن تخرج إلى الشارع ولن تعطّل حركة المرور ولن تشتبك مع الشرطة ولن تُعطي النظام أيّ ذريعة للاعتقال والقمع، كل ما ستفعله هو حمل لافتتة بسيطة تحمل رسائل قويّة بشكل أسبوعي، ولن تتوقّف عن هذا المسعى النضالي، البسيط في شكله والعظيم في استمراريته، حتى بعد أن عاد الجميع إلى منازلهم وبعد أن أعادت السلطة إحكام قبضتها على الفضاء العام ومنع أي صوت مخالف وقمع كل حركة سياسية احتجاجية.

حراك تنكّر له البعض حين لم يوُصلهم إلى مبتغاهم، وانسحب منه البعض الآخر بحجة المراجعة والنقد ويئس منه البقيّة بحكم طبيعة البشر، أما السيدة أمال نايلي فقد تبنّته واعتنقت رسالته واعتبرت شعاراته من قبيل « والله مارانا حابسين » عهدًا مقدسًا لا يُخلف.

ما يجعلها بالنسبة لي رمزًا حركيًا يستحقّ الاحترام: أنّها سيّدة، بعيدة عن دوائر المركز العاصمي في الشمال، غير منضوية تحت لواء الأحزاب والحركات السياسية المؤطرة، لا تحظى بأي نوع من الحماية أو الدعم الإعلامي والحقوقي ولا تقف خلفها منظومات نافذة في السلطة أو مرتبطة بالخارج توفّر لها غطاءًا للنضال.

رغم كل ذلك تمسّكت بمبدأ السلمية والاستمرارية، وأبقت الأمل حيًّا من خلال لافتتها الأيقونية ذات الرسائل المعبّرة التي تبعثها من أعماق الجزائر في منطقة انسحبت من الحراك مبكّرًا، مما جعل مهمّة السيدة نايلي في النضال من دون حاضنة شعبيّة تحدّيًا أصعب وأقسى.

الحرية للأستاذة أمال نايلي رمز الحراك، والخزي والعار لمن لم يراعوا حرمة الشهر الفضيل.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici