المقاومة بين حركة النظم العرب “المطبعة” وجمود الشعوب “الممانعة

2
3022

https://www.raialyoum.com/
بشير عمري

تكشف لنا مسارات التحولات المرحلية في السياسات الدولية قدرة الغرب على اختراق وعي الآخر وإعادة تشكيله بفضل قدرته الهائلة على صناعة وتصدير “الكلاملوجية” بالموازاة مع التكنلوجيا، وهذا في ظل فظاعة حجم إمكاناته الوسائلية في الإعلام والمعلوماتية التي تعجز عقول الاستهلاك المعنوي في عوالم التخلف الشامل عن مواجهاتها، وهو ما يتضح بجلاء هاته المرة في شاكلة التعامل الإعلامي والسياسي مع جرائم الحرب التي يمارسها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في غزة، حيث يعاد فرض مقومات الصياغة الإعلامية التبريرية الدعائية للعدوان من قبل هذا الغرب ومسعى شل منظومات الادراك لدى المتلقي للصوت والصورة وهو ما يعجز، فيما يبدو، بعض النخب لدينا، على انتاج المقاربات الجديدة لفكر المقاومة بسبب الإخفاق في بقر الغشاوة التي يخيطها هذا الخطاب الغربي يحجب بها الرؤية ويلجم الأصوات المعارضة له.

لكن هل يمكن فعلا حصر الإخفاق في عدم القدرة على انتاج خطاب ومقاربة جديدين للمقاومة، فقط إلى البعبع الدعائي الغربي وآلته الجهنمية في ذلك؟ أما أنه ثمة زوايا ذاتية للرؤية السليمة لا يكاد العقل العربي يستكشفها ليطل من خلالها لأسباب ذاتية وموضوعية؟

في إحدى حواراته الماتعة والنافعة، أجاب الدكتور الراحل عبد الوهاب المسيري عن سؤال بشأن موقف العرب مما يحدث في فلسطين وقتها، وتحديدا سنة 2006 بالتأكيد على أن الوضع بهذا الخصوص باق على حاله، الشعوب العربية مقاومة بفطرتها السليمة والأنظمة ماضية باتجاه التطبيع.

كلام يضعنا أمام حالة متناقضة في الموقف العربي بإزاء واحدة من أعقد قضايا الصراع السياسي في التاريخ، بين شعوب متوقفة في حدود موقفها الاولي الابدي ونظم متحركة، وإذا كانت حركة النظم الماضية والماشية بعكس إرادة الشعوب بدافع من قوى التأثير المباشر فما الذي يبقي الشعوب ونخبها متوقفة في خطابها وخطها المقاوم الأول الذي لم يعد مقاوما لأسلوبية الغرب في الدعاية والبروباغندا الإعلامية والسياسية.

الإشارة اللماحة من المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري، وإحالته لموقف الشعوب بـ”الفطرة السليمة” تحيل تلقائيا إلى مكمن الضعف في الموقف المعارض للوضع القائم، إذ هل يمكن فعلا أن يظل الوعي المقاوم قائما على “الفطرة السليمة” ذا جدوى؟ طبعا لا، إذ لم يسبق وأن أخبرنا التاريخ عن قضية حسمها شعب من غير تغير وتغيير على مستوى وعيه بحاله ووضعه بإزاء خصومه ومشاكله، فالشعب الجزائري مثلا غير من أسلوب تعامله مع واقع فرضه الاستعمار لعقود عدة بعد إذ توفرت له نخبة ثورية كانت قد تشكلت لديها رؤية جديدة للوضع تمثلت في ضرورة اللجوء إلى “العنف الثوري” كسبيل أوحد لانتزاع الاستقلال، قناعة ومقاربة غيرت من الخطاب والعمل الوطنيين قلب المعادلة على الأرض.

 لكن البحث عن نخب استثنائية في العالم العربي اليوم، تؤسس لبديل خططي وخطابي للمقاومة، صار يبدو سرابا في ظل الانشغال النخبي بالمسائل القطرية، في مرحلة هي بلا ريب من أسوأ مراحل تاريخ العرب السياسي، أين يفق العقل السياسي العربي بين تحديين “المقاومة” التي يفرضها الوضع القومي في فلسطين، و”الديمقراطية” كمطلب حتمي وشعبي على المستوى القطري، بغية الانطلاق باتجاه المستقبل الجديد.

فمخاض الربيع العربي وما أفرزه من أسائلة (نخبية) كشف عن هشاشة الوعي بالكينونة القطرية والقومية معا، حيث انفجر السؤال في اعمق أعماق الوجود العربي التاريخية منها والجغرافيا، أحسن من عبر عنها المفكر العراقي رشيد خيون وهو يصف حال العراق بعد سقوط البعث وتنازع النخب الوظيفية منها والمنتمية حول هويته في ما بعد العبث البعثي وفق العرقيات والمذهبيات والفلسفات بأن هذا “العراق لم يدخل بعد حيز التعريف” !

إن هذا الوضع في مسعى الاكتشاف الارتجاعي للذات القطرية الذي طبع سلوك النخب العربية في تحديها للتحرر القطري الداخلي من خلال مطلب “الديمقراطية” الذي صاحب موجتي الربيع العربي، هو أبرز تعبير صريح عن الفراغ الكبير الذي تقف عليه الامة في اطلالها على الافاق ومنها المقاومة للكيان الصهيوني، وهي في نظرنا أحسن تفسير لمقولة المسيري بأن الشعوب “باقية على فطرتها السليمة داعمة للمقاومة” إذ لا يمكن تصور انتصار على الاخر في وقت يعجز فيه هذا “العربي” عن الانتصار على ذاته وأسئلته المؤجلة والمؤججة من الغرب ذاته عبر نخب لا تحسن سوى إثارة القلق الوطني بما يربك بنى المجتمع ويخلل هيكله ويقوض فرص استقراره.

وهذا الفراغ لا يمكن إيعازه منطقيا سوى لجزئية حيوية وفاصلة في مسألة الوجود العربي، هي غياب الرؤية المرحلية للنخب العربية، فراغ يفلح الخطاب الغربي في ملئه بواسطة ما سبق وسقناه من قدرات دعائية واقلام عربية مأجورة يخصها بجوائز وتتويجات أدبية وفكرية باعتبارها الأكثر حكمة واستبصارا للوضع وللمصير الوطني والقومي العربيين.

ويتضح من بعد كل ما ورد، أن المسارين المتضادين، النظم العربية “المتحركة” باتجاه التطبيع، والشعوب “الباقية” على وضعها الأول ممانعة لفطرتها السليمة، أن العنف الصهيوني المتطور في اجرامه بشكل غير مسبوق، إنما يكمن في هذا التضاد الناجم عن مأزق نخبوي عربي في التموقع في الصراع، وفشل في انتاج مقاربة مرحلية لقضايا الأمة بعيدا عن “الملاهي الفكرية” الأيديولوجية ومعارك نظرية دونكشوتية عبر سيوف خشبية بين التحديث والأسلمة، التأصيل والتضليل.. في وقت أشهر العدو سيوفه الحديدية التي اختارها عنوانا لهجمته الهمجية على العزل من الأطفال والنساء والشيوخ في قطاع غزة، أراد من خلال ذلك القول بأنه بإزاء كسر أو إغماد سيوف مقاومة تفتقر – بزعمه – للقدرة على تغيير معادلة الصراع على الأرض، وهو العنوان الذي استغرب بعضنا اطلاقه على حرب الكيان على الغزة من خلال التساؤل “هل توجد سيوف غير حديدية؟” في غفلة عن بلاغة خطاب الحرب والضرورة الفارقة في الاستعارة اللغوية باعتبار أن البلاغة والمبالغة في الحروب وصراعات الوجود هي أدوات قتل وحسم لا تقل في ضرواتها عن الأدوات العسكرية الميدانية.

كاتب  جزائري

2 Commentaires

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici