الجزائر: الرئاسيات المسبقة.. والعلبة السوداء في زلل بيان وكالة الانباء

0
2424

Mar 26, 2024

https://www.raialyoum.com/

بشير عمري

تفترض العلوم السياسية وجود إمكانية صياغة انساق لتحليل الظواهر وطرح حلول لإشكالات خاصة وفق ربما مقاربات ليست بالضرورة ذات صلة بالمناهج والنظرية الجاهزة التي انتجتها في كليتها أو تكاد المدارس الغربية، لكن في واقع المجتمعات التي تعيش مشاكل بنيوية في السياسة لا سيما في السلطة وتركيبتها وتعقيداتها، عادة ما تفرض تلكم المناهج حضورها النقدي، ما يطرح أكثر من علامات استفهام بشأن هذا التحيز المنهجي في تفسير الظاهرة وتحليل الإشكالية هي من الخصوصية سواء في انبثاقها وتطوراتها.

من جملة تلكم التجارب والظواهر النظام السياسي في الجزائر الذي لا زال عصيا عن التحليل وتفكيك النقدي، لأنه لا يزال عصيا عن الفهم العام لدى المختصين قبل العامة من الناس، فما هي أسباب هذا الاستعصاء؟

في هذا السياق تحديدا سنفترض هنا كأساس تطبيقي نموذجا جدليا طرحه الإعلان عن تنظيم رئاسيات مسبقة، إذ انتقد الملاحظون مؤخرا بيان وكالة الانباء الجزائرية التوضيحي لأسباب تسبيق هاته الانتخابات الرئاسية، لا سيما حين أشار إلى ما نعته بـ”العلبة السوداء” لرئاسة الجمهورية! حيث احتار النقاد والملاحظون من هذه الصياغة التي تضمنها البيان معتبرين أن الأمر لا يتوقف عند مجرد إخفاق في الترجمة من النص الأصلي المكتوب بالفرنسية إلى العربية، بل هو زلل أصلي في الخطاب ذاته وبرمته.

فكما هو معروف عن مفهوم العلبة السوداء كجزء عضوي بنيوي من نظرية وصفية للحكم أبدعها عالم السياسة الأمريكي ديفيد إيستون، فإنها بطبيعتها التجريدية لا يمكن أن أيشار إليها في سياقات الدعاية والبيان الإعلامي السياسي كعنصر وظيفي يعلو الأطر القانونية والمؤسساتية والأجهزة المديرة للشأن العام، ذلك لأن السواد الذي كللت رُمِّزت به العلبة هاته، هو في حد ذاته يحمل معنى مجازي متجاوز لحقيقة البناء المؤسسي الرسمي للدولة، وهذا حين نتناول بطرح والشرح منظومة الحكم كلها.

أما وأن يتعلق الأمر بمؤسسة رئاسة الجمهورية، ونلحق بها هذا الجزء من النسق النظمي لديفيد استون، كما جاء في البيان، فهذا سيكون مدعاة للتمعن أكثر فيما أراد صائغ بيان وكالة الانباء أن يوصله للمتلقي السياسي سواء منه الفاعل أي النخب، والمفعول به ونقصد به حتما الشعب.

ولئن كان العام والخاص يدرك بأن التوصل إلى معرفة مصدرية القرار السياسي في الجزائر ليس مطلقا بالأمر السهل، في ظل التركيب المعقد للمنظومة العامة للحكم، فإن في مقابل ذلك يدرك الجميع أيضا، أنها (مصدرية القرار) لا تتركز في جهة ويد واحدة، سواء أكانت مجموعات أم أفرادا، من هنا فإن فرضية هيمنة العلبة السوداء ومخرجاتها، كأساس توصيفي، على حساب مؤسسات الواقع وواقع المؤسسات هي واقع حال نمطية ممارسة السلطة السياسية لمهامها في الدولة والمجتمع.

وبذلك فإن قرار استباق الفترة الدستورية في إجراء انتخابات رئاسية، هو متأت من لعبة توازنات داخل العلبة وليس من خارجها، كما أرادت الرئاسة في حد ذاتها قبلا أظاهره عبر اللقاءات التي كان قد أجراها رئيس الجمهورية مع بعض التشكيلات السياسية والاجتماعية والجمعوية وتجمعات ما تسمى بأرباب العمل، وذلك قبيل أيام معدودات من الإعلان عن القرار بالذهاب إلى انتخابات رئاسية مسبقة.

فبيان وكالة الانباء الجزائرية الذي لقي انتقادات عنيفة لشكله ومضمونه، بإشارته للعبة السوداء كمصدر للقرار المتخذ بإزاء الرئاسيات المقبلة وتقديمها على موعدها الدستوري، حتى لو رد ذلك في سياقه التبريري لدواع تنظيمية منها ما هو متعلق بالتصديق على قانون المالية، يكون قد وضع الصورة المتخيلة عن شاكلة العمل السياسي وحجم الديمقراطية التشاركية وفي آلية صنع القرار.

ومنه نخلص إلى أنه ما يتوجب إدراكه حقا هو أن اللغة في خطاب الاعلام السياسي وظيفية وليست محض وسائلية، والزلل فيها بالتالي هو زلل سياسي صرف، ويكون له بالتالي كبير العواقب والأثر على أهم مراحل اخراج la mise en scène الفعل السياسي الذي انتوت جهة إخراجه بالطريقة التي تصورتها بأنها حقا مثلى لإخراجه، والخلط الذي وقع هنا في بيان وكالة الانباء الجزائرية، باعتبارها مؤسسة اخبارية رسمية، بين الحقائق والمجاز في الخطاب السياسي والمجرد والواقع في منطوق علم السياسة وفكرها، من خلال إلى حالة إلى العلبة السوداء في قلب رئاسة الجمهورية وليس حتى في مشمول النظام السياسي، مثلما يتضمنه الاقتراب النسقي النظمي لديفيد إيستون، كمنتج لقرار سياسي سيادي يتعلق بتنظيم انتخابات رئاسية، هو من الهول بحيث يكشف بجلاء حالة التراجع الكبير في الاحترافية المؤسسية التي تحياها الدولة والمجتمع معا.

كاتب سياسي جزائري

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici