أيُّ مدرسةٍ.. بعد كورونا؟!

0
1337

https://www.echoroukonline.com/
أبو بكر خالد سعد اللهأستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبةح.م

2020/03/23

هل ستؤدي الفيروسات العَصيّة إلى ظهور مدرسة من نمط جديد… مدرسة القرن الحادي والعشرين؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه عديد المربين والمتتبعين للشأن المدرسي. ذلك أن جائحة أنفلونزا الخنازير وما تلاها من أوبئة عمّت العالمَ جعلت عددا من المختصين في الشؤون التعليمية يقتنعون بأن الوضع الحالي سيؤدي إلى ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ التربية والتعليم، وهذا نظرا للغلق الكامل والطويل المدى للمؤسسات التربوية في كثير من دول العالم. ومن ثمّ تَوَلِّي العائلات مسؤولية تعليم أطفالها بصفة مباشرة.

وعندما تضطر منطقة أو بلد بأكمله إلى غلق مؤسساته التعليمية لفترة طويلة أو غير محددة، لاسيما إذا حدث ذلك بشكل مفاجئ كما هو الحال الآن، سينتقل نظامُ التعليم إلى أيدي الأولياء وأطفالهم. ماذا يمكنهم أن يفعلوا، وماذا سيفعلون ميدانيًا؟ ما هو الدور الذي ستؤديه الجهات الرسمية، وكيف؟ لا شك أن نظاما هجينًا سيبرز تدريجيًا.

رأي خبير

آلن بوفيي Alain Bouvier (76 سنة) حامل للدكتوراه في الرياضيات، وهو من كبار الخبراء الفرنسيين في مجال التربية والتعليم، ويعمل في هذا الميدان منذ أزيد من نصف قرن، وله من المؤلفات (كتب وبحوث تربوية) ما لا يُحصى. كما أنه تقلّب في مناصب تربوية عديدة، فضلا عن ممارسته تدريس الرياضيات وعلوم التسيير في الجامعات. وقد أدى عشرات المهام التربوية في القارات الخمس، وأشرف على مشاريع علمية وتكوينية متعددة بين الجامعات والمؤسسات المختلفة. نشير أيضا إلى أنه كان عضوا في المجلس الأعلى للتربية الفرنسي من 2005 إلى 2011.

كان آلن بوفيي قد سُئل عام 2009 عن مصير المدرسة إثر تفشي وباء إنفلونزا الخنازير، ثم سُئل الآن عن مصيرها ونحن نعيش وباء كورونا. وقد ظل هذا الخبير وفيًا لقناعاته ورؤيته المستقبلية للمدرسة في فرنسا وفي العالم مادام هذا الوباء قد مسّ كافة أنحاء المعمورة.

يؤكد بوفيي أنه لا يمكن أن تبقى المدرسة ونمط التكوين فيها على حالهما، إذ لا بدَّ أن يعاد النظر في تسيير المؤسسات التعليمية بعد تكاثر حالات غلقها لمدد قد تطول، ونظرا لكون هذا الغلق يمسّ كل المدارس وليس فئة معيَّنة أو جهة جغرافية بعينها، فلو أغلقت المدارس خلال أسبوع أو أسبوعين في السنة لظروف استثنائية لهان الأمر؛ إذ يمكن معالجة المشكل بطرق عديدة وسلسة، أما إذا ما استمرّ غلقها شهورا فالوضع يحتاج إلى دراسة أعمق. وفي هذا السياق، يعتبر آلان بوفيي أننا في نهاية عهد وبداية عهد جديد في تسيير التربية والتعليم. فما الذي سيتغيّر في المدرسة؟

 لأول مرة في تاريخ المدرسة، سيكون الأولياء والتلاميذ والمعلمون وجميع أولئك الذين يساهمون في التعليم في وضع لا يتمّ فيه أداء كل شيء في حجرة الدراسة داخل المؤسسة التعليمية، بل سيتم في مساحة مفتوحة إلى أجل غير مسمى. وستكون مصادر التعلّم مختلفة. وسيستخدم الأولياء وسائل متنوّعة لمرافقة أطفالهم حسب إمكانات كل أسرة إذا ما امتدت فترة غلق المدارس. نحن في وضع جديد لم نستعدّ له لحد الآن. فهل يعني ذلك زوال المدرسة “التقليدية” كما نعرفها اليوم؟

لا شكّ أن الفوارق في التحصيل التربوي بين التلاميذ ستصبح كبيرة، وستختلف باختلاف الأدوات والوسائل التي ستستغلها العائلات، بغضّ النظر عن قدرات كل تلميذ الاستيعابية. فأولئك الذين يعيشون في بيئة ثقافية مناسبة ويتمتعون برعاية تعليمية سيكونون أفضل حالًا من أولئك الذين لا يَأْبَه أولياؤُهم بالمدرسة أو لا يستطيعون مساعدة أطفالهم لقلة إمكاناتهم المادية والفكرية.

التدّاعيات

عندما يعود التلميذ إلى المدرسة في الظروف الطبيعية بعد فترة طويلة من الانقطاع، سيجد المعلمُ أمامه أطفالا ذوي تكوين هجين وغير متكافئ. وعليه يمكن أن نستنتج بأن طول مدة غلق المدارس سيحول دون استعادة الوضع السابق لدور المدرسة والمعلم. وسيتفاوت هذا الأمر بتفاوت القدرات الابتكارية للمدرّسين ومسيّري المؤسسات.

هل هذا أسوأ سيناريو ممكن؟

الواضح أنه يتعيّن على الدولة التركيز على دعم التلاميذ الأكثر حرمانًا، وذلك بالموازاة مع مرافقة التلاميذ المُتَّكِلين على ذويهم وعلى أنفسهم بفضل الوسائل المتوفرة لديهم.

ربَّما تستطيع بعض الدول أو جلُّها إعداد دعائم تعليمية، ثم وضعها في متناول التلاميذ ليصلوا إليها عن بُعد عبر الراديو والتليفزيون والإنترنت باستعمال منصَّات إلكترونية مدرسية وأكاديمية. وبافتراض أن جميع العائلات عبر العالم تمتلك مذياعا أو تلفزيونا -حتى إن تعذّر الارتباط بشبكة الإنترنت-  فسوف تعتبر الجهات الرسمية أنها أدّت واجبها ونجحت في مهمَّتها! وفي تلك الظروف، سيُطلب من المدرّسين -الذين سيعملون من دون حضور التلاميذ- تقييمهم وتقديم لهم الدعم والمرافقة عن بُعد في الوقت الذي لم يتم تدريبهم على هذا النمط من المهام.

وهنا، ستحدث قطيعة بين التلاميذ الذين سيكتفون بهذه الخدمة البسيطة من قِبل الدولة وأولئك الذين ستتوفر لديهم دعائم أخرى متعددة الأشكال عن بُعد وعن قرب. ومن ثمّ، ستبرز 4 فئات رئيسية من التلاميذ:

– الفئة الأولى: يوفّر لها الأولياء كل أسباب النجاح والتفوّق في الدراسة، وربما لم يكن هؤلاء أصلا بحاجة إلى التسجيل في المدرسة.

 الفئة الثانية: أبناء الطبقة الوسطى الذين سيتعاونون فيما بينهم بالعمل ضمن مجموعات صغيرة مستفيدين بما يتاح من وسائل الاتصال والمواقع الإلكترونية وبعض المساعدات التربوية من هنا وهناك، بما فيها ما تقدّمه الجهات الرسمية.

– الفئة الثالثة: أبناء الأسر الفقيرة الذين سيتوجَّهون إلى الجمعيات الخيرية وسيلجأ جلُّهم إلى المواقع التربوية المجانية بحثا عن منجد يقدِّم خدمات مجانية إن كان لهم ارتباط بشبكة الانترنت. وما سيزيد في إعاقة هؤلاء أنهم عموما لا يميلون إلى الدراسة لأسباب مرتبطة بمحيطهم الاجتماعي.

– الفئة الرابعة: تتشكل من التلاميذ الذين يعانون من صعوبات جمَّة وثغرات عميقة في دراستهم منذ بداية مشوارهم التعليمي، فهؤلاء لا يعتبرون أنفسهم أصلا معنيين بالدراسة.

ومما لا شكّ فيه أن معالجة وضع هذه الفئات والتعامل معها سيختلف من بلد لآخر، وستحدث تطوّراتٌ بطرق مختلفة، حتى لو وُضِعت معايير دولية توجِّه البلدان إلى النمط الجديد من التدريس. ومهما كان الحال، فلن يظهر نموذجٌ عالمي موحّد للمدرسة الجديدة، إذ ستختلف المواقف بين البلدان وداخل كل بلد.. وفي الاختلاف رحمة! فالأمر يدعونا إلى الشروع فورا في التفكير في وضع معالم هذه المدرسة الجديدة.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici