حول الجدل القائم بخصوص الهوية(*)

1
2502

محفوظ بـــدروني

(نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)

10 ماي 2020

تمهيد:

لقد احتدم جدل عميق و استعرّ صراع حاد في الآونة الأخيرة حول بعض مسائل و قضايا تندرج في مواضيع ذات صلة بالتاريخ، الإيديولوجا، اللغة و الثقافة و الدين.

و قد تفنن النظام القائم في استعمال أداوته و عملائه أو عملاء أسياده في الخارج لأجل التجادل حول التاريخ  و التناطح في قضايا إيديولوجية و فكرية، و الاحتراب حول المسلمات الدينية(الإسلامية) و التلاسن حول اللغة و الثقافة.

أساليب ماكرة للدكتاتوريات:

و قد تلجأ الأنظمة الاستبدادية إلى إثارة مباحث خلافية حول قضايا في التاريخ، اللغة، الإيديولوجيا، الدين و اللغة، نتائجها هو إلهاء الناشطين و العاملين من أجل التغيير عن قضايا الساعة، تزيد في تشرذم وحدة الصف و تشعل الفتن و تعمق التفرق و الخلاف بينهم خاصة و أفراد الشعب عموما.

 و عادة ما تلجا الحكومات الاستبدادية إلى البحث عن من لديه قدرة على المراء و الجدال و الجرأة على « اقتحام » الطابوهات و الاستعجال في الخوض في الأمور المختلف فيها، و تشجيع من يروج لآراء غريبة و إثارة قضايا لا ينبني عليها عمل و لا تعالج واقعا قائما..و تعطي في الوقت نفسه المجال الواسع « للمعارضين » من الجهة الأخرى الذين صنعهم النظام على عينه و تحت رعايته السامية للرد على ذلك، فتندلع جراء ذلك معارك فكرية و/أو فقهية وهمية، حامية الوطيس بين هؤلاء و أولئك، و حتى بين الكيانات و الحركات الداعية إلى التغيير، فتحتار لها قلوب جمهرة الشعب و المناضلين، فيزهدون في الجميع و يؤخرون قدما، فتخلو الساحة من الداعين إلى التغيير و ينعزل رجال و نشطاء التغيير فتبدأ الحكومات الإستبدادية في تحرشها و كبتها في حملة إعلامية تجسم أخطاء النشطاء و المفكرين و الداعين إلى التغيير..

كل ذلك لأجل جعل السلطة الإستبدادية نفسها في نهاية المطاف جهة حيادية فاصلة و حكما بين المختلفين بل بين المتصارعين و أنها في نظر الشعب هي الملاذ الآمن للكل و الحصن الأمين للجميع و أنه لامناص و لا ملجأ من الفتن التي يمكن أن تندلع بين الطرفين و بين المختلفين إلا النظام الإستبدادي و السلطة الديكتاتورية فهي أرحم لأي جانب من الآخر إن استولى على السلطة و أحكم زمام الأمور بين يديه.. و هذا كله لثني  النشطاء و الحركات الداعية إلى التغيير عن العمل من أجل التغيير و تحريفهم من الاشتغال على محاربة الطغاة و مجابهة الحكام الظالمين و ابعادهم من التوجه مباشرة إلى مصدر الفساد و الاستبداد و الظلم و الاستعباد ألا هو النظام القائم منذ عام 1962.

و كمثال على ذلك ما قام به النظام الديكتاتوري المصري في عهد المخلوع مبارك الذي استثمر في الخلافات و أجج الصراع بين الاسلاميين و العلمانيين و سمح لبعض هؤلاء بالمس بالمقدسات مما أدى إلى عملية اغتيال طالت أحد رموز التيار العلماني (الكاتب فرج فودة)، كما دبّر عملية تفجير كنيسة « القديسين » بالإسكندارية أيام قبيل ثورة يناير 2011 و اتهم خصومه بارتكابها، و أنا على يقين أن النظام القائم في الجزائر– و كل الأنظمة الإستبدادية في العالم العربي– يسير على نفس الخطى و يسير على نفس المنوال و أنه مستعد لحرق البلاد و العباد لأجل البقاء في الحكم.

قضايا لا يمكن الحسم فيها:

إنّ الآراء حول التاريخ، اللغة، الإيديولوجيا و اللغة لا يمكن الفصل فيها مهما طال الزمن.. قال تعالى: « و لا يزالون مختلفين إلا من رحم الله و لذلك خلقهم » .. فالاختلاف سنة اللّه في خلقه و لا يمكن حسم الخلافات(في الإيديولوجيا و التاريخ و الدين و الثقافة) مهما أوتي الناس من قوة و قدرة على التنازل. و لا تزال هذه المباحث او التفاصيل حول هذه المواضيع مستمرة و أنها ستبقى ما بقي الإنسان على وجه الأرض.. و لم يتمكن حتى الأنبياء من القضاء على الاختلافات و الخلافات في هذه المسائل و هذه إرادة اللّه..قال تعالى: »و لو شاء اللّه لجعل الناس أمة واحدة ». فعلى دعاة التغيير أن يكونوا في سعة من أمرهم و أن يسيروا بدون اتخاذ موقف جازم و رأي عاجل إزاءها، بل من الأفضل تجاوزها إذا أدت إلى استعار الردود بين المختلفين، و هذا سدا للذريعة، و كبتا لاحتمالات التعصب و حصرا لنطاق تبادل الاتهامات، و تجاوزا لاحتمالات المحن التي تأتي بسببها أو مستغلة لها.

عدم الانشغال بالمعارك الثانوية و الجانبية:

لذا أرى أنه لزاما على النشطاء و العاملين استيعاب النقاط التالية:

1°)- إنّ هذه العناصر هي بالطبع مصادر اختلاف بين النشطاء و قوى التغيير و لا يمكن إنكار ذلك لأن لكل ناشط سياسي أو فاعل اجتماعي رأيه و قناعته في هذه المسائل.

2°)- يجب تجاوز الاختلافات و الخلافات و تباين التقديرات بين مختلف التيارات السياسية و الإيديولوجية لأجل التموقع بقوة في المستقبل و لا أن يكونوا أسرى لإعتقاداتهم الإيديولوجية و لا سجناء لقناعاتهم التاريخية.

3°)- يتعين الإكتفاء بالذي يجمع – و حتى و إن كان في الحد الأدنى– و البحث عن القواسم المشتركة و المبادئ الجامعة و التجاوز عما يفرق عملا بالمبدأ القائل: » نعمل فيما اتفقنا عليه و يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه« .. و هذا لأجل الذهاب إلى الأمام و المضي قدما نحو المستقبل و تركيز الجهود – كل الجهود- لأجل تحقيق أهداف التغيير.

4°)- إن العقائد الدينية و القناعات الإيديولوجية و الآراء التاريخية و البرامج السياسية يتعين إرجاء إثارتها إلى ما بعد رحيل النظام القائم من حيث أنها تشكل حينئذ المنطلقات الإيديولوجية و الخلفيات الفكرية للبرامج السياسية لكل التيارات السياسية التي ينبغي عليها أن تعرضها على الشعب – الذي هو صاحب السيادة و القول الفصل – بمناسبة الإنتخابات.

5°)- ينبغي الاستلهام من مسعى القادة الأفذاذ الشهيدين « عبان رمضان » و « محمد العربي بن مهيدي » و آخرين الذين استطاعوا تجميع مختلف تيارات الحركة الوطنية متجاوزين الاختلافات و الخلافات التي كانت سائدة أنذاك و هذا لأجل التوحد في إطار الكفاح التحرري للشعب الجزائري لتحقيق الهدف الرئيسي للثورة التحريرية ألا و هو دحر الإستعمار و استعادة السيادة الوطنية و تحقيق الإستقلال.

6°)- إن حركات التغيير ليست أحزاب سياسية – و أقل من ذلك مؤسسات منتخبة – تملك السلطة لأجل ترسيم المراجع التاريخية أو المنطلقات الإيديولوجية ضمن أرضيتها و برامجها السياسية.

7°)- على النشطاء و السياسيين و المنخرطين في الحراك و الثورة أن يدركوا أن سعيهم و مساهمتهم في الحراك و الثورة ليس من أجل أن تنتصر قناعاتهم الإيديولوجية أو توجهاتهم السياسية أو رؤاهم الفكرية و إنما من أجل أن تتحقق حرية الشعب الجزائري في تقرير مصيره و سيادته كاملة غير منقوصة في اختيار من يحكم  و بما يحكم.

التركيز على الهدف:

و خلاصة القول أنّ على النشطاء و العاملين من أجل التغيير ألا ينشغلوا بالمعارك الثانوية و القضايا الجانبية التي يثيرها النظام و يشعلها زبانيته في مجالات الإيديولوجيا، التاريخ، اللغة، البرامج السياسية التفصيلية أو الدين و القضايا الثقافية.. و إنما عليهم أن  يركزوا جهودهم( كل جهودهم) و يستثمروا قواهم(كل قواهم) و يقتصدوا طاقاتهم(كل طاقاتهم) في فضح النظام القائم و العمل على اسقاطه، فهو أصل الداء و مصدر البلاء.

إن مهمة حركات التغيير الأساسية هي اسقاط النظام الديكتاتوري القائم و إقامة بديلا عنه دولة الحق و العدل، دولة الحريات و حقوق الإنسان، دولة القانون و المؤسسات، دولة الشورى و الديمقراطية.

فهل يعي النشطاء و العاملين التحريف و التزييف الذي يسعى إليه أذناب النظام  و يتجاوزن ذلك بالعمل الجاد من أجل تحقيق هدف التغيير؟ نتمنى ذلك و إنّا لمنتظرون.

—————————————————————————————————–

(*) مقال نشر بتاريخ 29 يناير 2015 في جريدة « يومية الجزائر »(Le quotidien d’Algérie) الالكترونية و أعيد نشره – بعد ادخال إضافات طفيفة عليه- بعد استفحال السجال حول القضايا المثارة في المقال منذ انطلاق الحراك المبارك لا سيما في الوقت الراهن.

1 COMMENTAIRE

  1. إذا كان بالنسبة لك الدين و اللغة من القضايا الجانبية، فلا أعلم ما هي القضايا الأساسية. لقد استشهدت بالشهداء رحمهم الله، و كان عليك أن تعلم أنهم إعتمدوا إطارا للقيام بالثورة و لم يكن الأمر فوضى. و هذا الإطار هو بيان أول نوفمبر.

LAISSER UN COMMENTAIRE

S'il vous plaît entrez votre commentaire!
S'il vous plaît entrez votre nom ici